نقاط على الحروف

11/07/2019

لبنان والتحديات الراهنة ودور الدولة في ممارسة السيادة!

محمد علي جعفر

فرضت واشنطن عقوبات جديدة على حزب الله. هذه المرة يختلف القرار الأمريكي عن القرارات السابقة من حيث الدلالات. فالقرار يستهدف نوابًا مُنتخبين من الشعب وتابعين لحزب سياسي مُمثل في الحكومة ويُمثل شريحة من اللبنانيين. ما يفرض تقديم مقاربة جديدة تتلاءم مع حجم التحديات. وهنا، فإن النقاش الدائر حول القرار الحالي واستهدافه للمقاومة أو للدولة، نقاشٌ يعتريه بعض الشبهات والتي يجب وضعها في إطار يُقارب الأمور بحسب المصلحة الوطنية اللبنانية ويتوافق مع منطق الدولة، وليس تجييره لخدمة التجاذبات السياسية. الأمر الذي يقتضي الإطلالة على مفهوم السيادة وأهميتها في الحفاظ على الدولة ودورها، وما يعنيه غيابها أو ضعف الدولة في تطبيقها. وكيف أن التحديات المستقبلية باتت تفرض على الدولة تفعيل دورها السيادي في مواجهة التحديات!

مفهوم سيادة الدولة هو مفهوم سياسي قانوني يرتبط بأصل وجود الدولة ودورها وعلاقتها مع الدول الأخرى

مفهوم سيادة الدولة هو مفهوم سياسي قانوني يرتبط بأصل وجود الدولة ودورها وعلاقتها مع الدول الأخرى بالإضافة الى العلاقة بين نخبتها الحاكمة والمواطن اللبناني. تُمثل السيادة خاصية للدولة لا سيما فيما يتعلق بكيانها السياسي. كما أنها تحكم سلوك الدولة الداخلي والخارجي، فيما يخص تنظيم علاقتها بالمواطن عبر السلطات من جهة وتحديد علاقاتها مع الدول من جهة أخرى. من أهم نتائج ممارسة وتطبيق الدولة لمفهوم السيادة الخارجية، هو قدرتها على ضمانة حقوقها بين الدول لا سيما ضمانها لمنع التدخل في شؤونها الداخلية. وهو ما يربط مصالح الدولة بالمصالح المحيطة بها.

في لبنان يغيب مفهوم السيادة. يغيب عن المواطنين حقيقة ما يعنيه المفهوم، مع لحاظ أهميته لإرتباطه بحقوقهم المدنية. كما يغيب عن الدولة، لغياب مظاهر السيادة الداخلية والخارجية. على الصعيد الداخلي، تغيب السيادة مع فقدان لبنان للتحديد العادل للتشريعات والقوانيين بالإضافة الى غياب العدالة في تطبيقها. على الصعيد الخارجي، تغيب السيادة مع فقدان الدولة لسياسات تنظيمها لعلاقاتها الخارجية، وهو ما يُعتبر نتيجة، لغياب استراتيجية الدولة، والتي تُحدد عادة مصالحها بما يضمن حقوق مواطنيها ضمن بيئتها الإستراتيجية وضمن إطار المعايير الدولية التي لا تُعارض المصالح المحلية.

تحتاج السلطة السياسية اليوم الى دفع الأمور نحو مصلحة لبنان واللبنانيين. وهو ما يتطلب حكمة عالية في التعاطي مع الحدث

كذلك تكثر المؤشرات التي تجعل من مفهوم السيادة مفهوماً غائباً في لبنان. هذه المؤشرات تُعبِّر عن الأسباب البنيوية التي تُشكل تهديداً لقدرة الدولة على ممارسة سيادتها ويطغى عليها الطابع السياسي. من أهمها، فساد النظام السياسي وبنية الدولة. وهو ما تعكسه مسائل عديدة مثل فساد النخبة الحاكمة، غياب القضاء، عقلية الإستزلام السياسي، ترهل مؤسسات الدولة وغياب أدنى خدمات الدولة العامة تجاه المواطن. لكن هذه الأسباب البنيوية، لا تُلغي حقيقة الإستهداف الأمريكي للبنان عبر استغلال ظروفه لا سيما الإقتصادية. وهنا يبدو أن الإجماع اللبناني على رفض صفقة القرن وفشل المفاوضات اللبنانية مع واشنطن حول طروحاتها الأخيرة فيما يخص ترسيم الحدود البرية والبحرية، انعكس في التهويل الدولي من الوضع الإقتصادي اللبناني. وهو ما استنفر الحكومة اللبنانية لرفض التقارير الدولية التي تُروِّج للحذر من الوضع اللبناني. فرغم الإقرار بالأزمات الإقتصادية، فإن إدخال الإعلام في لعبة الإقتصاد، وإخضاعه لحسابات دول، يُشكل خطراً كبيراً على مصلحة لبنان واللبنانيين، في وقتٍ لا يبدو أن لبنان مُحصن لمواجهة ذلك. وهو ما يطرح العديد من التساؤلات حول التحديات المستقبلية التي ستواجه لبنان، وكيفية تعامل اللبنانيين معها.  

تحتاج السلطة السياسية اليوم الى دفع الأمور نحو مصلحة لبنان واللبنانيين. وهو ما يتطلب حكمة عالية في التعاطي مع الحدث. ومع إدراك أولوية إتخاذ قرارات تتلاءم مع حفاظ لبنان على سيادته فإن المسؤولية الوطنية تستوجب من جميع القوى السياسية التعامل بشكل حازم مع مسألة التعرض لممثلي الشعب أو لأي جهة رسمية لبنانية، انطلاقاً من أن ما جرى يُعتبر تدخلاً في أمور سيادية يبدو أنها لن تقتصر على حزب الله وحده.

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف