آراء وتحليلات

هل تحمي الشرعية الدولية الشرق الأوسط من وطأة العقوبات الأميركية؟

11/06/2019

هل تحمي الشرعية الدولية الشرق الأوسط من وطأة العقوبات الأميركية؟

علي ابراهيم مطر

في 14 تموز/يوليو 2015 تُوجت الجهود الدبلوماسية المبذولة للتوصل إلى حل شامل للبرنامج النووي الإيراني، وعلى اثر ذلك اتخذ مجلس الأمن بالإجماع القرار 2231 الذي أيد فيه خطة العمل المشتركة، بعد أن أتى في مجمله وفق صيغة الفصل السادس، مع الإشارة في بنوده إلى استخدام الفصل السابع منطلقاً من المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة التي تفرض عقوبات تحت هذا الفصل، لجهة تطبيق الاتفاق والالتزام.

شكل هذا الاتفاق منعطفاً رئيسياً في هذه المسألة، حيث كان من المفترض أن يسهم التنفيذ التام له في بناء الثقة في الطابع السلمي الحصري لبرنامج إيران النووي. كان مجلس الأمن الدولي يعول على خطة العمل المشترك أن تفضي إلى تشجيع إقامة علاقات وأواصر تعاون طبيعية مع إيران في المجالين الاقتصادي والتجاري. كان الهدف من الاتفاق أن يكفل بصورة تامة الطابع السلمي الحصري لبرنامج إيران النووي، خاصةً أن إيران تعهدت وفق الاتفاق بأنها لن تسعى للحصول على أي أسلحة نووية أو تطويرها أو حيازتها، وفي المقابل فإن تنفيذ هذه الخطة سيمكّنها من التمتع على نحو تام بحقها في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، فضلاً عن رفع شامل لجميع الجزاءات التي فرضها مجلس الأمن، وأيضا الجزاءات المفروضة على الصعيدين المتعدد الأطراف والوطني، على أن تلتزم مجموعة الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية بتنفيذ هذه الخطة بحسن نية وفي جو بنّاء على أساسٍ من الاحترام المتبادل.

كان كل شيء يسير على ما يرام منذ بدء تنفيذ الاتفاق في 16 كانون الثاني/يناير 2016 مع إدارة باراك أوباما، إلى أن خلفه دونالد ترامب وقام بنسف الاتفاق والانسحاب منه في 8 ايار/مايو  2018 والشروع في فرض عقوبات على طهران تم الذهاب بعيدا فيها إلى الإعلان عن النية في تصفير صادرات النفط الإيرانية، ما أدى إلى تعقيد الأمور ورفع حدة التوتر بين طهران وواشنطن، ما انعكس سلباً على مجمل العلاقات الدولية، وزاد من مؤشرات الصدام في الشرق الأوسط. أصدر المجلس قراره، بشكل ظهرت بنوده تشددية، وذلك لطبيعة الاتفاق والاطراف المشاركة فيه، والظروف الدولية المحيطة به، وقد فرض الكثير من الإجراءات التنفيذية حال الإخلال، ولجم أي محاولة للخروج عنه، ومع ذلك انسحب ترامب منه، بشكل قوبل برفض دولي شديد، كونه يؤدي إلى تعقيد الأمور في الساحتين الإقليمية والدولية، ويؤدي إلى تهديد السلم والأمن الدوليين. لم يعر دونالد ترامب أي أهمية للشرعية الدولية، وذهب نحو فرض عقوبات بشكل يخالف ما قرره الاتفاق الأممي الذي فرض على الدول الالتزام به بموجب أنه اتفاق دولي ملزم لمن وقع عليه، لكن ترامب قرر الخروج وفرض عقوبات، تخالف القانون الدولي.

العقوبات بين السياسة الأميركية والقانون الدولي

تعد العقوبات الاقتصادية التي تفرض من قبل الأمم المتحدة نوعاً من أنواع الجزاء في القانون الدولي، وهي تقوم على وقف العلاقات الاقتصادية مع أفراد أو دول لقمع أو إصلاح سلوك عدواني، والحفاظ على السلم والأمن الدوليين. ولقد أوردت المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة صوراً لبعض التدابير غير العسكرية. ويستمد الأساس القانوني للعقوبات الاقتصادية الدولية من ميثاق الأمم المتحدة في فصله السابع المواد (39- 41)، لكن ليس من حق أي دولة استخدامها وفرضها من خارج سياق هذه الآلية الدولية.

لقد فرضت الإدارة الأميركية عقوبات أحادية الجانب على طهران، بذريعة ضلوعها في زعزعة استقرار الشرق الأوسط، إلا أن ذلك يعارض ميثاق الأمم المتحدة الذي حظر في مادته الثانية التدخل في شؤون الدول الأخرى، فضلاً عن أنها تخالف المواد (39-41) من الميثاق والتي تؤكد على أن التدابير ومنها الاقتصادية يجب أن تصدر بقرار من مجلس الأمن، لأنه هو الجهة المخولة، لكنه لم يصدر هذه العقوبات كون إيران لم تخالف الاتفاقية النووية.

بالإضافة إلى ما تقدم، تخاف إدارة ترامب المواد 26 و 28 و 29 من بنود الاتفاق النووي الذي صدر بالقرار 2231، والتي تنص صراحة أنه لا يحق لأي طرف من أطراف الاتفاق أن يحدد أو يتهم الطرف الآخر بانتهاكه، خاصة أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت التزام ايران بالاتفاق، فضلاً عن أن هذه العقوبات تخالف العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تؤكد على حق الشعوب بإقامة هذه العلاقات والاستفادة منها وعدم مشروعية الحصار الاقتصادي، وهذا ما يؤكد عدم مشروعية العقوبات الأحادية الجانب التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران، كل ذلك بغض النظر عن الاتفاقيات الثنائية الموقعة بين البلدين.

وقد أكدت الأمم المتحدة، على لسان إدريس الجزائري، المدير التنفيذي لمكتب حقوق الإنسان في جنيف التابع للأمم المتحدة، إن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة مجددا ضد إيران، غير قانونية، كونها تدمر الاقتصاد الإيراني وتؤثر سلبا على حياة المدنيين هناك، حيث لا يمكن ذلك إلا وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، وبقرار من مجلس الأمن الدولي. أضف إلى ما تقدم، أن محكمة العدل الدولية أصدرت قراراً تطالب فيه واشنطن تحييد السلع الإنسانية من العقوبات على إيران، ويُعَدّ هذه القرار ملزماً في القانون الدولي ولا يمكن الطعن فيه.

المتطلبات الدولية أمام التصرفات الأميركية

أمام هذه الاختراقات الأميركية الواضحة لقواعد القانون الدولي، والخروج عن الشرعية الدولية، فإن من المتوجب على الأمم المتحدة والدول الأوروبية، عدم السير في هذه المخالفات، والعمل قدر الإمكان على المحافظة على الاتفاق، وبالتالي عدم القبول بمحاصرة طهران، خاصةً أن الدول الأوروبية أكدت عقب انسحاب الرئيس الأميركي من الاتفاق وفرضه للعقوبات، أن قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي يؤيد الاتفاق النووي ما زال "إطارًا قانونيًا دوليًا ملزمًا لحل النزاع". وأمام التصريح الأوروبي بقانونية الاتفاق والزاميته فإنه يتوجب على هذه الدول العمل لعدم انهيار الاتفاق والسعي لإبقاء العلاقات الاقتصادية مع طهران.

لقد وجد الأوروبيون أن واشنطن تعمل كشرطي اقتصادي للعالم، وهذا ما يخالف أسس العلاقات الدولية الاقتصادية، وذلك من أجل فرض سياساتها وتحقيق مصالحها، وبالتالي أمام ذلك بات من الضروري على هذه الدول أن تسعى للحد قدر الإمكان من التأثير الأميركي على علاقاتها مع الدول الأخرى خاصةً أنها تدرك مدى انتهاك واشنطن للقانون الدولي، وبالتالي لا يمكن للدول الأوروبية المشاركة في انتهاك الاتفاقية النووية الصادرة عبر قرار مجلس الأمن الدولي، فانتهاك هذا القرار والخروج من الاتفاق سيؤدي إلى سقوط الخيار الدبلوماسي كحل للخلافات السياسية والنزاعات الدولية.

ما تقدم يجعل الدول الأوروبية أمام خيار ضروري لا غنى عنه هو عدم الخروج من الاتفاق، لمنع تفاقم التوترات التي قد تؤدي إلى عمل عسكري معين في منطقة الشرق الأوسط، يهدد السلم والأمن الدوليين، وإلا فإن عدم تفعيل أداة "أنستكس" للتبادل المالي بين أوروبا وإيران والإبقاء على الاتفاق، سيؤدي إلى زيادة التوتر الإقليمي؛ حيث يجر الأميركي بتصرفاته الخارجة عن سياق الشرعية الدولية المنطقة والعالم إلى حافة الهاوية. لذلك تبقى المساعي الأوروبية ضرورية، للحفاظ على صورة القانون الدولي، وعدم السماح للسياسة الدولية التي تنتهجها واشنطن بنسف قواعده كلياً.

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات