نقاط على الحروف

الغطرسة الاميركية... والرد الايراني

626 قراءة | 08:38

سعد حمية
الغطرسة الأميركية بلغت حداً كبيراً من الوقاحة مع إيغال إدارة البيت الأبيض في سياسة التهديد والوعيد وفرض العقوبات على كل من يخالفها أو تفترض أنه يهدد مصالحها الإمبراطورية أو يشكل خطراً على ربيبتها "اسرائيل". وتصريح وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره البريطاني، دليل جديد على ذلك، فبومبيو أكد مرة جديدة سعي واشنطن للتصدي لتهديدات إيران بالتعاون مع شريكته لندن وكذلك "التصدي لنموذج حزب الله الذي ترعاه إيران في المنطقة" معللاً دعوته لكل الدول بعدم دعم حزب الله بأنه "يشكل خطراً على إسرائيل"!.

هكذا، ومن دون تردد، رئيس الديبلوماسية الأميركية الغارق في الأصولية التوراتية حتى أذنيه، أفصح وبُلغة جازمة عن السبب الحقيقي لكره إدارته لإيران وحزب الله الذي ما كفت وسائل الإعلام الأميركية المتصهينة عن شيطنته صبح مساء عبر بكائيات القلق وذرف دموع التماسيح خوفاً من ترسانة الحزب الصاروخية الموجهة إلى صدور الاسرائيليين".

هذا، ليس بالأمر الجديد، وإن كان الديبلوماسي الأول في أميركا قد بثّ في هذا "الكره" خبرته الإستخبارية ومعرفته العسكرية في هندسة هجمات قاسية لتحقيق أهداف رئيسه المتذاكي دونالد ترامب عبر "ديبلوماسية حافة الهاوية" مع الحرص على عدم الوقوع فيها! وهنا لا ضير من إحداث جلبة وقرقعة تصم الأذان مع استعراض للقوة واعتماد ديبلوماسية البوارج وقاذفات الصواريخ للرد على تهديدات نقلها "الموساد" الاسرائيلي للأميركيين، فعدم الإستقرار في المنطقة وجرّ الجميع إلى حرب مع إيران وحلفائها، هو غايةٌ لم يكل رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو يوماً عن السعي لتحقيقها!

ومع إدراك بومبيو وإدارته صعوبة خيار الحرب، إلا أنه لا مانع لديه من التلويح بها مع استمرار لعبة عض الأصابع على امل ان تصرخ الجمهورية الاسلامية أولاً ! لكن طهران وحلفائها حتى هذه المرحلة على الاقل يرفضون الاستسلام للشروط الأميركية، وهم يدركون ان أمام واشنطن مسار واحد إذا ما استمرت في ضغوطها وهو ايقاظ مارد الفوضى في عموم المنطقة الذي لن تستطيع السيطرة عليه لانها في الافق صفقات تأمل إدارة ترامب في تحقيقها.

لذلك يبقى سيف العقوبات مشرعاً على إيران وحزب الله خصوصاً أن عدداً من المسؤولين الأميركيين أعلنوا مراراً أن هذه العقوبات بدأت تحقق أهدافها. وقد أكدت تسريبات أميركية جديدة عزم الادارة الاميركية توسيع دائرة العقوبات التي تستهدف حزب الله لتشمل جهات متعاونة معه، ولترسم مرحلة جديدة من العقوبات قالت إنها "غير المسبوقة".

 وتحدث مصادر ديبلوماسية عن إلغاء تأشيرات دخول الى الأراضي الاميركية لمن يتعاونون مع حزب الله.

وفي سياق التهويل والتشفي نقلت "العربية. نت " السعودية عن مرجع مصرفي (لبناني) رفيع المستوى زار واشنطن مؤخراً"أن البنوك اللبنانية ستلجأ إلى تجميد حسابات مصرفية لنواب ووزراء وأشخاص مقربين من حزب الله، وكل جهة تتعامل معه، "وهذا الملف سيطرح على الطاولة قريبا".
 
هذه التسريبات الرامية الى تخويف حلفاء حزب الله والمتعاونين معه على الساحة اللبنانية، ليست إلا محاولة جديدة  لمحاصرة حزب الله وعزله كما في مراحل سابقة، لكن من الواضح ان نتيجتها ستكون الفشل لان التقديرات الاميركية بخصوص لبنان لطالما جاءت بعيدة كل البعد عن الواقع  ولم تتحقق يوماً لانه دائماً ما كانت تستند الى أحلام وتمنيات.  
 
أما على الصعيد الايراني، فيأتي إصدار الرئيس الأميركي أوامر لفرض عقوبات جديدة على طهران تستهدف قطاع صناعات الحديد والصلب والألمنيوم والنحاس، كمحاولة أخرى لتعزيز الضغط على طهران بعد إنهاء الإعفاءات التي سمحت بموجبها واشنطن لثمانية دول بشراء النفط الإيراني بهدف تصفير صادرات الخام الإيراني لإجبار ايران على تغيير سلوكها!

وهنا ايضاً، يبدو أن هذا الهدف بعيد المنال، فالسلوك الإيراني لم يظهر أي تبدل، فضلاً عن أن المسؤوليين الايرانيين أعلنوا  تكراراً رفضهم أي تغيير أو تفسير أو إجراء جديد على الإتفاق النووي الموقع عام 2015 بينما لا تخفي واشنطن رغبتها في اللقاء "يوما ما مع القادة الإيرانيين للتفاوض على اتفاق جديد" وفق ما عبر عنه ترامب في قراره الأخير.

ومع كل هذه الاجراءات الاميركية لم تقف ايران مكبلة اليدين فهي ما زالت تمتلك العديد من الأوراق، وهي إذ اعلنت عن قدرتها على اغلاق مضيق هرمز إذ لم يمر نفطها عبر المضيق، بدأت باتخاذ عدد من الاجراءات وآخرها قرار المجلس الأعلى للأمن القومي تعليق بعض تعهدات الجمهورية الإسلامية في الإتفاق النووي، وإبلاغ ذلك الى سفراء الدول الخمس الملتزمة بالاتفاق مع إعطائها مهلة ستين يوما للإلتزام بتعهداته ، وربما تتوالى إجراءتها وصولا إلى الحد الاقصى وهو الانسحاب الكلي من الاتفاق النووي لاحقا مع ما يعنيه ذلك من تقليل قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على مراقبة أنشطتها النووي.  

في كل حال يبدو ان أمام طهران بعض الوقت وعدد من الأوراق التي يمكن أن ترمي بها في الوقت المناسب لتعيد خلط الأوراق مجدداً وتقطع الطريق على مخططات واشنطن وتضع الدول الخمس الأخرى الموقعة على الاتفاق أمام مسؤولياتها إذ كانت تريد فعلا عدم تدهور الاوضاع الى ما لا تحمد عقباه!