irhabeoun

آراء وتحليلات

المعضلة الأمريكية: ضعف الأدوات

13/01/2022

المعضلة الأمريكية: ضعف الأدوات

إيهاب شوقي

يصعب للغاية اعتبار رسالة صحيفة "ذا ناشونال إنترست" الأمريكية التي تقول إن "العديد من الدول المصنفة "حليفة" تحمل واشنطن أعباء كبيرة، وقد تكون فعليا بمثابة "أفخاخ" قد تورط أمريكا بمواجهات عسكرية في غنى عنها"، أنها رسالة خاصة فقط بالتوسع الأمريكي شرق أوروبا وضم دول لحلف الناتو.

ويؤكد ذلك ما أضافته الصحيفة في مقالها عندما قالت إنه "منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كان لدى المسؤولين الأمريكيين مفهوم توسعي غير ملائم من حيث بناء تحالفات استراتيجية، حيث في كثير من الحالات، يكون (الحلفاء) الذين تروج لهم واشنطن عبارة عن دول صغيرة وضعيفة، وعديمة الجدوى عسكريا، والأسوأ من ذلك أن بعضها على علاقة سيئة مع دول مجاورة أكثر قوة".

ولعل النصيحة التي جاءت بالمقال كانت أكثر شمولية عندما قالت "من الأفضل لواشنطن أن تصبح أكثر انتقائية مع الدول التي تدرجها في قائمة الحلفاء الخاصة بها، ويجب على قادة الولايات المتحدة التوقف عن رفع مستوى التابعين إلى مرتبة الحلفاء".

ما جاء في الصحيفة لا يمكن اقتطاعه من سياق عام تشهده أروقة مراكز الفكر والسياسة في بأمريكا، ولا يمكن اقتطاعه من السياق العملي بتراجع مكانة السعودية والعدو الصهيوني في الأولويات الأمريكية المستجدة مع التوازنات الجديدة في العالم وفي الإقليم.

هنا نحن أمام مستجدات أمريكية تشهد حالة غير مسبوقة من "الشد" بفعل تراجع فائض القوة وحتمية تركيز المتاح منها على الجبهات الأخطر لأمريكا، و"الجذب" بفعل ارتباطات تتعلق بعدم السماح للخصوم بالسيطرة ونيل مكتسبات قد تؤثر على مسار الصراع في هذه الجبهات.

ولعله من المناسب هنا الاستدلال بمقولة شائعة في الكواليس الأمريكية، استخدمها السفير "دينس روس" المساعد الخاص للرئيس الأسبق أوباما، عندما كان مدير التخطيط للسياسة في عهد الرئيس بوش الأب، وقالها لوزير الخارجية حينها "جيمس بيكر"، والذي كان مفتقدًا للحماس في بداية عهده للانخراط المباشر والمكثف في المنطقة، فقال له روس: "قد لا تريد الانخراط في شؤون الشرق الأوسط، ولكن الشرق الأوسط يريد الانخراط معك".

وهنا يمكن ملاحظة محصلة معضلة الشد والجذب الأمريكية على سياسات أمريكا العملية في المنطقة، حيث تقود هذه المعضلة إلى ما يمكن أن نطلق عليه سياسة التعطيل.

المعضلة الأمريكية: ضعف الأدوات

هذا التعطيل يمكنه أن يفسر وجود أمريكا في نقاط تواصل محور المقاومة، في العراق وشرق سوريا، واستمرار دعمها للعدوان على اليمن، وسياستها الخبيثة في لبنان، واستمرار حصارها وعقوباتها على المحور المقاوم ودعمها السياسي للصهاينة والسعودية والإمارات وتوفير الغطاء السياسي لهم دون اشتباك مباشر مع ايران او المقاومة.

والمطروح على الأمة حاليا هو التعجيل بطرد أمريكا من المنطقة، وهذا الطرد يستوجب مواجهة سياسات التعطيل الأمريكية.

وهنا يمكننا رصد المنابع الفكرية التي تقود السياسات الأمريكية ورصد سياسات التعطيل الراهنة وشواهدها التنفيذية بالمنطقة، ومن ثم عرض سبل المواجهة المقترحة لها، وذلك باختصار شديد كما يلي:

أولًا: المراقب للسياسات الأمريكية في عهد إدارة بايدن يلمح التأثر الشديد بمدرسة كيسنجر، والتي وصفها "مارتن إنديك"، الذي شغل مرتين منصب سفير الولايات المتحدة في "إسرائيل"، ومؤلف الكتاب الذي صدر مؤخراً بعنوان "سيد اللعبة: هنري كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط"، حيث قال انديك " باختصار، فضل كيسنجر اتخاذ الخطوات التدريجية على الحركات الدراماتيكية، والنظام على السلام، والتوقعات الواقعية على المثاليات الخطرة."

وبوضوح أكثر، قال انديكإن كيسنجر برع في تحريك عناصر "لعبة" الشرق الأوسط وإرغام القادة على تقديم تنازلات يفضلون تجنبها.

وهو ما نلمح ظلاله حاليًا في التعاطي بالقطعة بين زعماء الخليج والكيان الصهيوني ومرتزقة أمريكا في داخل البلاد العربية دون الإقدام أو حتى الوعود بحلول شاملة على مستويات سياسية أو عسكرية.

ثانيًا: هناك تراجع ملموس لأهمية العدو الإسرائيلي داخل الحزب الديمقراطي، وبالأحرى داخل ما يطلق عليهم بالتقدميين داخل الحزب، وقد رصد ذلك دنيس روس في مقال هام له منشور في معهد واشنطن، حيث يقول بمقاله إن التقدميين في الحزب الديمقراطي "يوجهون انتقادات كثيرة لـ"إسرائيل"، ولم تعد "إسرائيل" قضية يُجمع عليها في الحزبين الديمقراطي والجمهوري كما في الماضي".

وهنا يوجه روس نصيحة للقادة الصهاينة بالتركيز على تقديم "اسرائيل" نفسها بصورة مختلفة جدًا أثناء تواصلها مع الآخرين. ولا بدّ أيضًا من تسليط الضوء على واقع أن الحكومة الإسرائيلية تشمل الآن تقدميين، وإظهار دورها المتنامي في المنطقة كجهة تحارب قوى التطرف وتساعد الدول المجاورة في مشاكل المياه والزراعة المرتبطة بالجفاف، وعلى "إسرائيل" التعامل في الوقت نفسه مع واقع أن كيفية تواصلها مع الفلسطينيين ستؤثر على نظرة الولايات المتحدة إليها.

وهنا نلمح شواهد تنفيذية عبر محاولات صهيونية لتلميع الصورة الديمقراطية في الكيان والإيحاء بالسعي للتواصل مع الفلسطينيين عبر اللقاء مع محمود عباس والذي لم يحدث منذ نحو عقد من الزمان، ثم لقاء غانتس مع العاهل الأردني مع الحرص الأردني على نشر صور الاجتماع وهو أمر نادر كما وصفته وسائل الإعلام.

وكذلك السعي لإضفاء أبعاد ثقافية للتطبيع مع الخليج من خلال تدشين منابر في الإمارات ومؤخرا في السعودية عبر تعيين حاخام لرئاسة تحرير مقال دائم في أشهر صحيفة سعودية، وكلها محاولات لترويج أن الكيان يحظى بالقبول والترحيب العربي دون مشكلات يمكن أن يسببها لأمريكا ودون ضغوط حقوقية وإنسانية يمكن أن تتسبب في حرج التقدميين في الحزب الحاكم.

ثالثًا: يرصد دينيس روس في المقال المشار إليه أن أمريكا تتراجع بشكل ملموس في الشرق الأوسط، وهو أحد العوامل التي عززت الروابط الإسرائيلية مع بعض القيادات العربية. ويروي روس أن أحد كبار المسؤولين الخليجيين قال له شخصيًا إن الولايات المتحدة قد تنسحب ولكننا نعرف أن "إسرائيل" باقية.

هنا نحن أمام شواهد مباشرة وصريحة للتسارع في إجراءات التطبيع، والتواصل مع سلطة محمود عباس ولفظ خيار المقاومة والتبرؤ منه، ومحاولة تلميع صورة السلطة.

هنا على الأمة وقواها الحية الانتباه لهذه السياسات ومواجهتها وهو ما يمكن عبر ما يلي:

1- ضرورة تفعيل الرأي العام لقطع الطريق على التنازلات الفردية وإيقاف قطار التطبيع الذي يتخذه العدو مخرجًا لأزمته، وكشف الجرائم الصهيونية وجعلها عبئًا على كاهل الإدارة الأمريكية بتحميل أمريكا المسؤولية المباشرة عن الانتهاكات والجرائم الصهيونية والسعودية والإماراتية وإحراج منظمات حقوق الإنسان التي تختار قضاياها بانتقائية شديدة وفقا لأجندات سياسية.

2- عدم توفير الغطاء السياسي لسلطة التنسيق الأمني مع الصهاينة والتي تقمع الاحتجاجات الفلسطينية المشروعة وتقف عائقًا أمام المقاومة وتشارك العدو في القمع والاعتقالات.

3- تكثيف المقاومة المسلحة لتمركزات أمريكا في محاور تواصل المقاومة وخلق كلفة كبيرة للتواجد الأمريكي غير الشرعي في هذه القواعد.

4- تكثيف الدعم لثقافة المقاومة وإلقاء الضوء على انتصاراتها على العدو ونجاحها في ردعه وبيان زيف الرهان عليه كبديل للحماية الأمريكية المتراجعة وعدم السماح للعدو بالترويج لتفوقه وخلق معادلات اشتباك لا تسمح بتمرير عدوانه دون رد.a

الولايات المتحدة الأميركيةالكيان الصهيوني

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات