ramadan

آراء وتحليلات

.. ويصح أن نتحدث عن "احتلال اميركي" و"احتلال سعودي"

10/04/2021

.. ويصح أن نتحدث عن "احتلال اميركي" و"احتلال سعودي"

سعد حمية

استوقفني خلال الأسبوع المنصرم، تكرار مصطلح "الاحتلال الإيراني" في عدد من برامج "التوك شو" على القنوات اللبنانية. في المرة الأولى، انبرى مقدم برنامج "صار الوقت" مارسيل غانم عبر قناة MTV  ليدس بشكل متعمد هذا المصطلح ضمن أحد أسئلته فيما أورد المحلل الاقتصادي توفيق كسبار المصطلح نفسه مرات عدة خلال اطلالاته على قناتي mtv و"الجديد".

ولا ريب أن دسّ مثل هذه المصطلحات في وعي المشاهدين أو متصفحي المواقع ووسائل التواصل الاجتماعي ليس أمراً جديداً، ويشي تكراره في وسائل الاعلام أن موجة جديدة من التحريض ضد ايران وحزب الله انطلقت لتستكمل حملات سابقة قادتها قوى دولية واقليمية وجهات سياسية واعلامية محلية لتكريس هذا المصطلح وترداده ببغائياً وإن لم يكن يستند واقعياً إلى أي أساس قانوني!

وبعيداً عن التعميم، وفي محاولة لمعرفة مصدر هذا المصطلح، نجد أن الادارة الأميركية والمسؤولين فيها لطالما رددوه، وأبرزهم  المبعوث الخاص للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط، جايسون غرينبلات الذي يعد أحد رجالات "اسرائيل" في الإدارة الأميركية، وأورد في مقالة له نشرت في 12 سبتمبر 2020 على موقع شبكة "سي إن إن" إنه على دول المنطقة (الشرق الاوسط) والعالم التركيز في المرحلة المقبلة على "الاحتلال الإيراني" قاصداً نفوذ طهران ودعمها لحركات المقاومة في لبنان وفلسطين وسوريا والعراق واليمن.

وليس مستغرباً أن يتردد هذا المصطلح في الدول المذكورة أعلاه خصوصاً من قبل مناهضي حركات المقاومة والممانعة الذين يدورون في فلك وتوجهات الإدارة الأميركية وبعض الدول الغربية وحلفائهم من دول المنطقة الذين يسخرون آلة سياسية وإعلامية ضخمة هدفها الرئيس تشويه صورة ايران وحزب الله ووضعهما في قالب احتلالي يسهل معه التجييش ضدهما، لا بل تتقمص "مقاومة" تقتات من الخلافات السياسية أو المذهبية بين دول المنطقة أو داخل البلد الواحد.

وإذا ما تعمقنا في المتابعة إقليميا، يظهر أن دولاً خليجية عدة تعتمد هذا المصطلح في مواقف مسؤوليها وتحليلات اعلامييها ووسائل اعلامها التي نسيت أن هناك احتلالا اسرائيلياً في فلسطين، وبات ما تسميه "الاحتلال الايراني" الخطر الأول، بينما تبشر صبح مساء بـ"اتفاق ابراهام" وهو اللفظة الملطفة لاتفاقيات التطبيع مع "اسرائيل" وتصفية القضية الفلسطينية.

وفي الدائرة الإقليمية أيضاً، ثمة وجود لهذا المصطلح في العراق، وقد لفتت إليه صحيفة "نيويورك تايمز" لأول مرة في نوفمبر عام 2019 خلال التظاهرات العراقية التي قالت إنها ضد "الاحتلال الإيراني البغيض".

أما في سوريا، فلا يخلو الأمر من الطرافة، إذ إن مجموعات المعارضة المسلحة المختلفة لطالما اعتمدت "الاحتلال الاسدي" إلى  جانب "الاحتلالين الإيراني والروسي" مع العلم أن وجود المستشارين الايرانيين هو بطلب من الحكومة السورية، وكذلك وجود القوات الروسية ويتجاهل هؤلاء أن لا سند قانونياً لما يروجون له.  

وبالعودة إلى الساحة المحلية، يظهر بما لا يدع مجالا للشك أن مطلقي هذا المصطلح منخرطون في توجه سياسي واضح المعالم، وهم في غالبيتهم من بقايا قوى 14 آذار أو ما سُمي عام 2005 "ثورة الارز" بفرعيها الداخلي والعالمي ومجموعات NGO الفاعلة ضمن ثورة 17 تشرين فضلا عن بعض النواب الحاليين أو السابقين وإعلاميين وظيفتهم اليومية إطلاق مواقف وتعليقات تكرر مصطلح "الاحتلال الايراني" و"وصاية حزب الله" و"التحرير الثالث" أو الحديث عن "تنفيذ القرار الدولي 1559 الذي ينهي سيطرة السلاح الفئوي والتابع للاحتلال الفارسي" وصولاً إلى التعبير صراحة بأن "الاحتلال الإيراني المتمثل بحزب الله وسلاحه" مع ما يحمله هذا الأمر من دلالات خطيرة!

وإزاء الخلط الفاضح بين "الاحتلال" و"النفوذ" لدى هؤلاء، واتهام جزء كبير من أبناء الوطن بأنهم يمثلون احتلالاً، نرى في المقابل أنهم يجتهدون في أداء وظيفة تجميل هيمنة الادارة الأميركية عالمياً وعلى الساحة اللبنانية، وما يعتبرونه احتلالاً في الحالة الايرانية يصبح تعاوناً وتفاهماً والتقاء مع جهات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية، وهذا ما يصح ايضاً على النفوذ الفرنسي الذي يصبح تاريخا من العلاقات المشتركة والتذكير بـ "الام الحنون"!

وهنا لا يمكن ايضاً أن نتغافل عن العلاقات الأخوية مع الشقيق الخليجي الأكبر الذي لديه ايضاً سطوة النفوذ على الساحة اللبنانية ولديه الكثير من العلاقات مع أحزاب وقوى سياسية واجتماعية تسبح بحمده سياسياً وعقائدياً، وتمكنه من فرض إملاءاته بما يتناسب مع مصالحه وحده وليس مصالح اللبنانيين، والدليل على ما نقول الشروط السعودية الرافضة حتى الساعة أي حكومة يشارك فيها حزب الله المعروف أنه طرف اساسي لا يمكن ادارة الظهر له في الشؤون اللبنانية، ومع ذلك هناك على الساحة اللبنانية من لم يجرؤ حتى اللحظة على مخالفة هذه الشروط بالرغم من أن مصلحة جميع اللبنانين تقتضي تأليف الحكومة بأسرع وقت ممكن.

 وهنا، يبدو من نافل القول إن الدلائل على الوصاية السعودية والأميركية أكبر بكتير من تلك التي تتحدث عن "احتلال ايراني" ولو اعتمد حزب الله مبدأ المعاملة بالمثل مع "الشركاء" في الوطن من أحزاب وقوى سياسية لصحّ أن نتحدث نحن ايضاً عن "احتلال أميركي" و"احتلال سعودي" واحتلالات أخرى مع ما يعنيه هذا الأمر من آثار قانونية وسياسية.

السعوديةالتضليل الإعلامي

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات