نقاط على الحروف

الناسيريما: غرائبية اميركية تحاول احتلال المألوف

14/11/2020

الناسيريما: غرائبية اميركية تحاول احتلال المألوف

آية صالح(*)

لم يخطر على بال اشهر انتروبولوجيي القرن العشرين "هوراس مينر" ان مجتمع الناسيريما (Nacirema) الذي كشف النقاب عنه في اواخر الخميسينيات قد يتمدد خارج البقعة الجغرافية الذي وجد فيه.

ما هي الناسيريما؟

الناسيريما قبيلة اتخذت مكاناً لها في بقعة تحدها كندا والمكسيك وجزر الانتيل، وتميزت بغرائبية وطقوس لا تعبر سوى عن السلوك الانساني المتطرف وفق "مينر" الذي اشار الى ان البروفيسور "رالف لينتون" لفت انتباه علماء الأنثروبولوجيا إلى طقوس الناسيريما لأول مرة عام ١٩٣٦، لكن ثقافة هذا الشعب حينها كانت لا تزال غير مفهومة. لا يُعرف سوى القليل عن أصلهم، رغم الاعتقاد انهم اتوا من الشرق.

تتميز ثقافة الناسيريما باقتصاد سوق متطور للغاية، وبينما يخصص الكثير من الناس وقتهم للمهام الاقتصادية، فإن جزءًا كبيرًا من هذه الأعمال حتى اليوم تُستثمر في الطقوس.  

ينصب تركيز هذا النشاط على جسم الإنسان ومظهره وصحته، وهذا امر طبيعي لكن الجانب الاحتفالي والفلسفي منه فريد من نوعه.
الاعتقاد الأساسي الكامن وراء النظام بأكمله هو أن جسم الإنسان قبيح وأن مصيره الطبيعي هو الوهن والمرض، أمل الناسيريمي الوحيد هو تجنب هذا الامر من خلال ممارسة الطقوس والشعائر.

حينما تحدث مينر عن هذا المجتمع السري، كان رجال الطب هم الاقوى تأثيراً، ومساعدتهم يجب ان تُكافأ بهدايا كبيرة.

ومن غرائبية هذا المجتمع في الخمسينيات على سبيل المثال: تمزيق سطح الوجه بأداة حادة للرجال وخبز النساء رؤوسهن في افران صغيرة لمدة ساعة تقريباً، وطلي وجوههن بألوان طقوسية، باعتبار ان المرأة في ذلك الوقت تعتقد انها تولدُ قبيحة.

فالناسيريما بطبيعتها مهووسة بالجسد، ويذهب بعض الناسيريميين إلى حد جعل المتخصصين في الطقوس يقومون بفتح اجسادهم، وحقن السوائل في مناطق الجسم التي يرغبون في أن تكون أكبر، أو إزالة أنسجة الجسم الرخوة وجعل أجزاء أخرى من الجسم أصغر.

سياسة الناسيريما

تطلق فلسفة الناسيريما العنان لمواطنيها بإكتشاف انفسهم وتشكيلها كما يريدون، فلا يوجد قيم محددة، كل ناسيريمي منذ نعومة اظافره له الحرية بالبحث وايجاد قيمه الخاصة شرط ان تصب في نهاية المطاف بمصلحة جسده، وعليه اوجدت طقوساً خاصة لمن يريد تغيير جنسه في حال قيمه اوجبت عليه ذلك، فعدو الناسيريمية الاساسي هو الثبات والتقليد. ولكن، من يدير مؤسسات الناسيريما؟

لا يختلف الناسيريميون منذ نشأتهم على تقديس بطلهم Notgnihsaw، فالزعيم حينها كان يتم تنصيبه وفقاً للخدمات والتضحيات التي ادّاها للقبيلة.

ومع مرور الزمن اعتمدت الناسيريما في ظاهر الامر على اجتماع القبيلة والاختيار بين كبيرين.

ومع ان السياسة المشتركة للاثنين لا تختلف كثيراً وتصب في سبيل امتداد ثقافة الناسيريما الى خارج حدودها، لكن الاختيار امام الرعي ةيتم وفق عدة معايير اساسها هو من يبرز عيوب واخطاء الآخر اكثر. ولهذه الغاية يتم استثمار ابرز الوجوه المؤثرة في مجتمع الناسيريما قبل فترة زمنية من الاجتماع، وابرز الوجوه المؤثرة تلك التي تولي الجسد اهتماماً كبيراً.

مخطئ من يعتقد ان مجتمع الناسيريما كالمدينة الفاضلة، فهو كأي مجتمع تجد فيه الفوضى والشغب والجرائم، وتحرص مؤسسة الحماية الناسيريمية على ضبط الوضع سلباً او ايجاباً وفق اهواء الزعيم المنتخب لديها وحاشيته او احياناً وفق اهواء خصومه، وهذا الامر يؤثر بطبيعة الحال في اجتماع اختيار زعيم القبيلة المقبل.

ومع ان مُثُل الناسيريمية ترفض رفضاً قاطعاً تدخل الاعراق والقبائل الاخرى في شؤونها باعتبار انها العرق الاسمى في القبيلة الامثل، الاانها لا تألو جهداً فيما تعتبره فتح القبائل المخالفة لها لما تُمثّل من غرائبية لمبدأ الناسيريمية.

وفيما يقدّم عددٌ لا بأس به من القبائل الطاعة والولاء الاعمى للناسيريما متبنيةً وجهة نظرها، ترفض قبائل قيمية التبعية لهذا المجتمع الذي يريد فرض الغرابة على المألوف.

ولكسر القبائل القيمية المناهضة لها، تسعى الناسيريما عبر ابرز وجوهها المنتقاة بدقة الى اعتماد عدة استراتيجيات:

ـ استراتيجية الجسد التي تصوّر للرجل والمرأة ان مظهرهما الطبيعي غير كاف بل بحاجة الى التحسين والرسم للوصول الى الرضا الخارجي لما ينعكس على الرضا الداخلي.

ـ استراتيجية كسر التقليد التي تضع البديهيات تحت مجهر السؤال وجعلها اكثر هشاشة وعرضية، وعندما تكون عرضية يعني يمكن ان تكون غير قابلة للوجود، وتسيير النفس البشرية للبحث عن ذاتها خارج الاطر القيمية.

ـ استراتيجية السحر والشعوذة التي تستطيع عبر طقوسها الوصول الى اي بقعة على الارض، واختيار قادة القبائل المعارضة وتقديمها اضاحي على مذابح الناسيريمية لديمومة الاخيرة.

من الواضح أن الناسيريما ليست ثقافة غريبة، لكنها في الحقيقة اميركية، وأن كلمة "Nacirema" هي فقط "American" مكتوبة بالعكس. كانت هذه حيلة مينر، رؤية الغريب في المألوف والسائد، وعندها يمكن اخضاعه للتحليل الثقافي والتاريخي لجعله اكثر هشاشة، "فما يبدو واضحاً ليس واضحاً على الاطلاق" يقول المنظّر الاجتماعي والمؤرخ ميشال فوكو.

فماذا لو اخضعنا بعض مُثُل الناسيريمية للتحليل؟ ربما قد يكون مقدمةً لاستعادة قوّتنا الخاصة عبر التحلل من البدائل التي قّدِّمت الينا بقليل من الحرية لرسم كيفية التفكير في نمط حياتنا.
(*) باحثة في علوم الإعلام والاتصال

الإعلام والاتصالالتضليل الإعلاميوسائل الإعلام

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة