بيروت

آراء وتحليلات

الى ماذا يقود صراع هياكل وأشباه الدول؟

03/10/2020

الى ماذا يقود صراع هياكل وأشباه الدول؟

إيهاب شوقي

التعريفات المتعددة للدولة لم تمنع من الاتفاق على عناصر محددة ومقومات لها، تتمثل في أرض أو (اقليم) وشعب وسلطة، كما تتفق على علاقة تعاقدية بين السلطة والشعب وشرط حاكم للسيادة يتم بموجبه اكتساب مفهوم الدولة وشخصيتها في القانون الدولي.

كما أن التعريفات المتعددة للصراع لم تمنع من اتفاق على مفهوم للصراع ومن ضمنه الصراع الدولي وفقًا لمفهوم الدول الحديثة، حيث يتفق على انه صراع ارادات وطنية لتحقيق أهداف ومصالح الدول والتي تحددها الدول وفقًا لرؤاها واتفاق عناصرها.

هذه المفاهيم تصاب بالخلل عند حدوث خلل بالدولة وتفريغها من المضامين واحتفاظها بمجرد الشكل وتحولها لمجرد هيكل تنظيمي دون أي مراعاة للعلاقة التعاقدية أو بلفظ آخر افتقاد العقد الاجتماعي.

والأمور بحاجة الى صراحة مهما كانت قاسية، اذا ما كانت هناك نوايا صادقة للخروج من أخطر أزمة تمر بها الدول العربية والتي تشكل تهديدًا حقيقيًا لمفهوم الأمة، حيث يؤثر افتقاد مقومات الدولة وما يصاحبه من تداعيات في مقومات الأمة وتحولها الى جزر منعزلة وربما متصارعة.

والصراحة الواجبة هنا تفرض القول إن الأغلبية الكاسحة من الدول العربية تمر بهذا الخلل والمتمثل في وجود هياكل للدول ولكنها خالية من المضامين، وقد تم المساس بمفهوم الدولة ماديا على مستوى عناصرها، ومعنويًا على مستوى العلاقة التعاقدية وعلى مستوى الحفاظ على السيادة.

ولمزيد من التوضيح يمكن القول، إن الاهتمام بمؤسسات الحكم جاء على حساب العناصر الأخرى المكونة للدولة وهي الشعب وحقوقه وكذلك الأرض والتراب الوطني والحقوق المتعلقة بها كاقليم كالكنوز والثروات في اليابسة والبحار وكذلك الحفاظ على الاجواء وسيادتها وردع انتهاكها.

كما انسحب انفراط العقد الاجتماعي والتعاقد مع السلطة وشرعيتها على السيادة عبر الاستناد لشرعيات أخرى غير الشرعية الشعبية، من جانب السلطة، وعبر الخلل المجتمعي الذي أدى بقطاعات لا يستهان بها من الشعوب للتخلي عن وحدة الارض والوحدة الوطنية، ناهيك عن القضايا والثوابت.

لهذا الأمر ملامح كبيرة نراها في لبنان ومصر وليبيا والعراق ودول الخليج، وهناك انعكاسات خطيرة لذلك على القضية المركزية الفلسطينية والدمار اللاحق بسوريا واليمن، ناهيك عن معاناة جميع الشعوب ولو بدرجات متفاوتة بما فيها شعوب الدول النفطية ذاتها.

والأمر هنا لا يقتصر على امتنا العربية، بل نجد أن الأمور قد وصلت للعدو الصهيوني، والذي تخرج تصريحات عبر مسؤوليه تفيد بأن كيانه على وشك الانهيار، الى جانب الازمات المستحكمة سياسيا ومجتمعيا والوضع غير المسبوق المتمثل في تعثر تشكيل الحكومة والرفض الشعبي لنتنياهو المطارد قضائيا، الى جانب التهديد الوجودي الذي شكلته المقاومة.

والأمر كذلك تخطى الاقليم بصراعه الرئيسي مع الصهاينة، ليصل الى دول كبرى، حيث نرى الأزمات الاوربية والاستقطاب الحاد في مجتمعاتها، والصراع بين مفهوم التكتل ومفهوم السيادة والذي بات يشكل خطرًا على تكتل من أهم التكتلات العالمية والمتمثل في الاتحاد الأوروبي.

ووصل الأمر الى أكبر دولة عظمى وهي الولايات المتحدة الامريكية، حيث وصل التفكك الى مستويات غير مسبوقة تاريخيا، ووصلت حدة الخلافات والاستقطاب الى مستويات علنية كشفت حجم الأزمة والتراجع التاريخي.

ولا شك أن تداعيات حالة عالمية كهذه الحالة التي تحتفظ فيها الدول بهيكل شكلي دون مضامين وطنية تشكل رؤى وانسجامًا بين عناصر الدولة، تنعكس على طبيعة الصراع الدولي، وقد رأينا مظاهر لذلك الخلل في طبيعة الصراع، مثل الخلاف داخل التحالف الانجلو- ساكسوني (شبه المقدس)، على خلفية توصيف الصراع مع الصين وادارته، وكذلك الخلافات الامريكية - الاوروبية، والاوروبية - الاوروبية، والتوترات داخل الناتو بين فرنسا وتركيا، وبين امريكا وتركيا، وهي ظواهر غير مسبوقة، يمكن ارجاعها الى تبدل توازن القوى من جهة، والى ظاهرة فراغ الدولة من المضامين المشار اليها.

ولا شك أن العرب، قد تأثروا بهذه الظاهرة، بشكل كبير ومرير، نظرا لقنابل موقوتة زرعها الاستعمار الذي عانت منه منطقتنا، عبر الحدود المصطنعة، والتنوعات العرقية والطائفية، وعبر ارتباطات قديمة لقوى سياسية وتنوعات بدول استعمارية، ناهيك عن الاستبداد السياسي الذي استفحلت مظاهره بعد كامب ديفيد وتراجع الاجماع العربي على القضية الفلسطينية وتخلي الانظمة عن الصراع مع الصهاينة، وهو ما استبدل  شرعية الاحتماء بالقوى الكبرى بالشرعيات الشعبية عبر المزيد من التفريط والارتهان والعمالة.

هذه الحالة أدت الى صراع داخل الأمة بين دولها، أو بالأحرى (هياكل دولها) من جهة، وبين التنوعات داخل الدول من جهة أخرى.
تقودنا هذه الحالة الى مفهوم قديم وبدائي للصراع، يختلف عن الصراع الدولي الحديث.

ففي الحضارات القديمة كالحضارة الإغريقية والرومانية، استخدم مصطلح "صراع الآلهة" للتعبير عن الصراع بين القوى الخارقة في الأساطير الإغريقية كصراع أخيل وهكتور في ملحمة طروادة الأسطورية.

حيث تحول الصراع الدولي الى صراع أنظمة، تصور كل منها أنه اله مطلق السلطة، دون عقد اجتماعي، مما يحول كل مكون اجتماعي الى اله يتصارع مع الهة أخرى في حالة عبثية تقود الى الخراب.

لم ينج من هذا الاهتراء الا القابضون على جمر الثوابت والمبادئ والمقاومة، حيث البوصلة تحتفظ بسلامتها، والأمل في الخلاص والنجاة، لا ينعقد الا عليهم.

العالم

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات