نقاط على الحروف

الأدرينالين.. وتصريحات بومبيو

07/09/2020

الأدرينالين.. وتصريحات بومبيو

ايهاب زكي

حين سُئل وزير الخارجية السوري عن تصريحاتٍ كان قد أدلى بها نظيره الأمريكي مايك بومبيو، تساءل المعلم بسخريةٍ وازدراء "مين بومبيو؟". وإذا كان قد فُهم حينها من تساؤل المعلم، أنّ أمريكا تريد وبومبيو يريد وسوريا تفعل ما تريد، فالآن يبدو هناك وجه آخر للتساؤل، وهو أنّ بومبيو يهرف ويعرف أنّه يهرف، والمعلم كان يدرك ذلك مسبقاً، حيث صرّح بومبيو بوجود اتفاق "إسرائيلي" إماراتي أمني لمواجهة إيران، وهذا يشبه أن تقول إنّ كلب صيدٍ تحالَفَ مع أرنبٍ اصطادَهُ لهدم عرين الأسد، وهذا تجاوزٌ لكل معايير الهذيان. والأنكى أولئك الذين يربطون الموافقة "الإسرائيلية" على بيع طائرة "إف35" للإمارات بهذا البند الأمني في الاتفاق، حيث يعتبرونها تهديداً جدياً لإيران قد تستخدمه الإمارات، وهؤلاء يحفزون "غُدتي الكظرية" على إفراز الادرينالين بشكلٍ عشوائي، فأكون في حالة تشوشٍ وتلاطمٍ، هل أفرّ ضاحكاً أم أكرّ عابساً؟ هل يدركون مدى سماجة ما يقولون حتى على سبيل النكتة؟ فكيف وهم يلتحفون بالرصانة والجدية، بأن الإمارات ستصدر أوامر لطيرانها المعزز بـ"إف 35" بقصف طهران؟

قد يكون بعض ما يُقال عبثياً، ولكن ليس كل ما يحدث عبثياً، فقد أصدرت السلطات السعودية أوامرها بترميم بيت من يُعرف بـ"لورانس العرب" في ينبع، وقد وضعت الإعلان في إطار سياحي، بينما التوقيت لا علاقة له بالسياحة بل بالسياسة، حيث قد يُقرأ الأمر في أحد جوانبه من باب النكايات السياسية بين السعودية وتركيا، وهذا الوجه قد يحلو في عين المتمحورين تركياً وقطرياً، لما يمثل "لورانس" من عداء للعثمانيين في الحرب العالمية الأولى، وما تمثله ينبع من نقطة انكسار عثماني إبان ما تسمى "الثورة العربية الكبرى"، حيث إنّ دخول العثمانيين إلى ينبع كان سيعني بالضرورة هزيمة "الثورة الكبرى". ولكن بما أننا في زمن الاستسلام المعلن بعد أزمانه الخفيّة، فهذا الترميم "السياحي" أكبر من مجرد مكايدات سعودية لتركيا، فـ"لورانس" وثورته كانا المدخل الضروري لاتفاق "سايكس-بيكو"، وهذا الاتفاق كان حجر الزاوية في وعد بلفور، ووعد بلفور كان الخطوة الأولى في طريق ضياع فلسطين، وإذا أخذنا بعين الاعتبار، أنّ تركيا الحالية كانت رأس الحربة في تسعير ما يسمى بـ"الربيع العربي" مقابل وعدٍ أمريكي بتسليمها مفاتيح المنطقة بالمشاركة مع "إسرائيل"، وتاريخياً كان الغرب يحافظ على الرجل المريض -الدولة العثمانية- من أيّ أخطار، إلى أن أصبحت الفائدة من قتله أجدى من بقائه فقتلوه، وما أشبه اليوم بالبارحة، فالفشل التركي في سوريا خصوصاً، قد يجعل التلويح بقتلها ثانيةً أمراً وجيهاً.

تزامن هذا الإعلان السياحي السعودي مع خطبةٍ لإمام الحرم المكّي، حيث كالَ المديح للنبي لأنّه تعامل مع اليهود في المدينة، وكيَّفَ تعامل الإسلام بالحسنى مع اليهود باعتباره تحفيزاً لهم على دخول الإسلام، وسنكون للشيخ من الشاكرين فيما لو أخبرنا متى سيقف بين يديْ نتن ياهو ليدعوه لدخول الإسلام، أو أن يقيم عليه الحجة ويدعوه لتغيير اسم دولته من"إسرائيل" إلى محمد، ولكن بعيداً عن عقلية الشيخ الظريفة، فإنّ الخطبة التي ألقاها من حجر الكعبة تعني أنّ السعودية تسعى لوراثة كرسي تركيا بجانب "إسرائيل"، كرسي الشراكة الذي فقدته مع فشلها في سوريا وغيرها. وذهاب وفد عسكري سعودي إلى الشمال السوري ليس بعيداً عن هذا الإطار، ولكن مشكلة هذه التصورات والمخططات أنّها استبدالٌ لفاشلين بفاشلين أو أشدّ فشلاً، حيث إنّ الصراع الرئيسي مع محور المواجهة، لا يمكن لتحالفاتٍ انتقلت من السرّ إلى العلن أن تعيد خلط أوراقه، أو لأداوتٍ يتم استبدالها بأدواتٍ أن تعيد رسم موازينه، وما يمارسه ترامب ليس سوى سُعار انتخابي، لذلك فإنّ كل ما سينتج عنه من سلوكيات لا تعدو كونها كرتونيات الأثر والنتائج، خصوصاً لناحية الصراع الأصيل في المنطقة بين الولايات المتحدة وحلفها وبين محور المواجهة، ولناحية الصراع مع الوكيل"إسرائيل" وأتباعها.

وضع عرب أمريكا كل البيض في سلة ترامب، حيث وفي سبيل الحفاظ عليه قد يفعلون كل ما هو نافرٌ ومستهجنٌ بالنسبة لشعوبهم، فابن سلمان يعتبر ترامب ضمانته للعرش، وابن زايد يعتبره ضمانة لأوهامٍ امبراطوريةٍ لا وجود لها إلّا في رأسه، وقد قال عنه كوشنير "أقوى رجل في الشرق الأوسط"، وقد يُعلن تهوده مقابل جملةٍ شبيهة أخرى، أمّا "إسرائيل" فتحاول استغلال هذه الحاجات في سبيل التسريع بإشهار التحالفات السرية، فيما هي تختلف في موضوع البيض، حيث أينما مالت الكفة الانتخابية الأمريكية فهي المدللة الأكبر، لذلك فإنّ كل ما شهدناه وكل ما سنشهده من إعلانٍ للتحالفات لن يكون ذا أثرٍ سياسي أو عسكري على موازين الصراع، ولكن في الموضوع السعودي قد يكون ذا أثرٍ على مستوى الوعي لما تمثل مكة والمدينة من ثقلٍ روحيٍ في العالم الإسلامي، خصوصاً وأنّ السعودية ستعبر إلى "تل أبيب" عبورًا دينيًا على صهوة الإسلام، وهذا ما سيضع رجال الدين في مفترق الطرق الأخطر بين صفحات المصحف وصفيح البنكنوت، وبين دين النبي محمد بن عبد الله(ص) وبين نزوات ابن سلمان.

السعوديةالولايات المتحدة الأميركيةدونالد ترامب

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف

التغطية الإخبارية
مقالات مرتبطة