نقاط على الحروف

.. آلهتهم أمريكا

29/06/2020

.. آلهتهم أمريكا

"العهد"

 

جوقة واحدة في معزوفة متناغمة، يؤدي كل موسيقي دوره بآلته الخاصة، التي يتقن فنّها، وعلى رأسهم "مايسترو".. مشهدٌ متكامل لصورة واحدة، لا يمكن أن تتشكل دون "مُخرج" مُحنّك.. هكذا تجري الأمور في عالم الفن، وكذلك السياسة والإعلام في لبنان.

آخر حلقات المسلسل اللبناني السوريالي، تصدّرته الولايات المتحدة الأميركية بسفيرتها في لبنان دوروثي شيا، لتكون "المايسترو" و"المُخرج" في آن واحد لسيمفونيات و"سكيتشات" الجوقة اللبنانية الملحقة بالسفارة.

إعلاميون، سياسيون، ناشطون، كتّاب، حقوقيون.. اصطفوا بانتظام لأداء التحية. لا يُحسد أتباع السفارة على وضعهم، فهم اليوم لا يكادون  يلتقطون أنفاسهم: بيان من هنا، تغريدة من هناك، مقال، وتصريح متلفز، ثم الى الاذاعة درْ. علّهم يحصّلون رضى السفيرة.

منذ مطلع العام 2020، تكثفت اطلالات المسؤولين الأميركيين عبر وسائل إعلام محلية - إقليمية التمويل - محددة. خلاصة التصريحات جميعها تصب في خانة واحدة: على الحكومة اللبنانية التزام "إصلاحات" - تحددها الادارة الأميركية وفق سياستها - للحصول على المساعدات، والا فالحصار سيشتد.

تصريحات متتالية لتشكيل ضغطًا على الدولة اللبنانية مارستها الادارة الأميركية مستغلة أو مستخدمة "بالمونة" الاعلام اللبناني الذي كان طيلة تلك الفترة خير "وسيلة" لهذه الضغوطات. الجديد، تصاعد حدّة التصريحات على لسان السفيرة الأميركية في لبنان التي باتت تحدد أكثر ماهية  "الاصلاحات" التي تطلبها ادارتها، مسمية حزب الله، وموجّهة الاتهامات اليه، بطريقة تستفز شريحة واسعة من اللبنانيين الذين أدلوا بأكثرية أصواتهم في الانتخابات النيابية لصالح المقاومة وحزبه الذي نال أعلى نسبة أصوات.

وبعد قرار القاضي محمد مازح منع وسائل الاعلام من استصراح السفيرة الأميركية التي تخرق جميع الأعراف الديبلوماسية والاتفاقيات الدولية بتصريحاتها، لما لها من تأثير سلبي على السلم الأهلي في لبنان، هاج وماج أتباع السفيرة والسفارة. ثارت حفيظة المدافعين عن الاعلام وحريته من قنوات تحدّت الشرعية اللبنانية لصالح التعديات الأميركية، وباتت شيا "نجمة" الشاشات اللبنانية.

"النهار" بدورها لم تكن خارج الجوقة. الصحيفة العريقة التي فقدت ثقة اللبنانيين بعد تحولها الى "مطبّلة" للسياسات الأميركية، تصدّرت عددها صباح الاثنين 29 حزيران/ يونيو 2020 العناوين التالية:
ـ "القرار الوقح ضد حرية الإعلام"
- "القضاء... ومآثر عهدهم!"
- العهد عاجز وحكومة دياب بحالة موت سريري... "حزب الله" يأخذ البلد للمواجهة مع الأميركيين!.

النائبة السابقة نايلة تويني - والتي افتقدتها قبة البرلمان طيلة فترة نيابتها - أسهبت في مقالها بانشائيات مطوّلة تنعى فيها حرية الاعلام لمجرد أن قاضيا منع وسائل الاعلام من الاستصراحات المحرضة على السلم الأهلي. كذلك، كرمى لعيني السفيرة تهجّم الكاتب نبيل بو منصف على الحكم، مطلقًا الافتراءات والتحليلات الخيالية.

أسئلة كثيرة تطرح في ذهن المتفرج على جوقة التفجّع على حرية الاعلام. تقول تويني في مقالها: "أمعن "حزب الله" وكل المحور الذي ينتمي اليه مع حلفائه، في ضرب كل المقومات الحقيقية لبلد يتمتع بالحرية والتعددية والانفتاح على الغرب، ليدفع به شرقا الى الفقر والاستبداد وقمع الحريات". والسؤال هنا: أين هي الحرية الغربية عندما تمنع قناة "المنار" اللبنانية عن البث في كثير من دول الغرب بقرار أميركي وتمنع حتى من الظهور على الشبكات المحلية لتوزيع الكابل؟ ألم تسمعي بجورج فلويد بعد؟ ألا تتابعين كونك صحافية المظاهرات في أميركا ضد العنصرية المتأصلة في الادارة الأميركية؟

تجنّدت النهار في "جيش" المدافعين عن أمريكا. أتحفنا نبيل بو منصف بقوله إن "الحكم كانت سمته الفاقعة المس بالأعراف الديبلوماسية وخرقها وتجاوزها ومن ثم والاهم محاولة تسخير القضاء في ترهيب الاعلام والصحافة؟". والسؤال: من الذي مس بالأعراف الدبلوماسية؟ السفيرة الأميركية التي تعدّت على شريحة واسعة من اللبنانيين ومقاومتهم أم القاضي الذي رفض التدخل السافر بالشؤون اللبنانية؟ ثم لمن يكون الحكم على الأراضي اللبنانية؟ هل هو للسفيرة الأميركية أم للقضاء اللبناني؟ ألستم من تنادون بالشرعية اللبنانية؟ لماذا اذًا تنتفضون ضدّها حينما لا تتواءم وغاياتكم السياسية؟

السيادة يا مدّعي السيادة لا تتجزأ: ماذا لو كان التصريح موضوع النقاش صادرًا عن السفير الايراني أو السوري مثلًا بحق "القوات اللبنانية" أو "الكتائب" أو حتى دولة الولايات المتحدة الأميركية؟ كيف كانت ستكون عناوين مقالاتكم حينها؟

ليست "النهار" سوى نموذج فاضح عن "اعلام" مسخّر في خدمة سفارة عوكر. اعلام تجاهل التعدي الأميركي على المقاومة التي تمثل جزءًا كبيرًا من الشعب اللبناني - حتى لا نتكلم بمنطق الأغلبية المثبتة بالأرقام - وقدّم طواعية خدماته للمعتدين على لبنان.

وحتى لا تضيع البوصلة ليست قضية "النهار"، ولا "نداء الوطن"، ولا "الشرق" ولا "اللواء" ولا قناة "المر" ولا "ال بي سي" ولا كل الذين تجنّدوا للوقوف على خاطر السفيرة، الحريات الاعلامية ولا حرية التعبير ولا الاعلام ولا كل ما يتلطّون خلفه، من شعارات، أزمتهم هي أن "إلهتهم" قد مُسّت، وأن الصنم الأميركي العظيم في عقولهم، قد تجرأ قاضٍ شجاع على التصدي له. هؤلاء جميعهم، هم أول المجندين في خدمة الحرب الأميركية على لبنان.. وستشهد الأيام أكثر.

لبنانالولايات المتحدة الأميركية

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة