انتصار ايار

آراء وتحليلات

كورونا يعكس البعد الانساني للمجتمعات: هكذا يواجه العراقيون

28/03/2020

كورونا يعكس البعد الانساني للمجتمعات: هكذا يواجه العراقيون

بغداد - عادل الجبوري

   على الصعيد العالمي، أفرزت أزمة وباء كورونا صورتين متناقضتين، الأولى ذات طابع سياسي، رسمتها بعض القوى الدولية، وربما قوى اقليمية ومحلية هنا وهناك، اتسمت بقدر كبير من الانتهازية والتشفي ونزعة الانتقام، في حين كان يفترض في ظل ظروف استثنائية حرجة وخطيرة مثل تلك التي يمر بها العالم بأكمله حاليا، أن تزاح كل الخلافات والاختلافات والصراعات جانبا، لتحل محلها المبادرات الانسانية التي من شأنها تطويق واحتواء الازمة - الكارثة، والتخفيف عن كاهل الدول والشعوب التي ضربها الوباء، كما دعت الى ذلك العديد من الشخصيات والزعامات الدينية والسياسية والاجتماعية العالمية. ولعل الموقف المتشدد للولايات المتحدة الاميركية حيال موضوعة العقوبات الاقتصادية المفروضة على ايران، والاصرار على استمرارها رغم ما تمر به الاخيرة من اوضاع صعبة للغاية جراء كورونا، يعد واحداً من ابرز واوضح المصاديق على الصورة الاولى.

   اما الصورة الثانية فقد كانت ذات طابع انساني، تجاوز كل الاعتبارات والحسابات السياسية والقومية والدينية والعرقية والمناطقية، سواء بين الدول أو بين المجتمعات والمكونات المختلفة في داخل كل دولة.

   وقد تنوعت أشكال ومظاهر الصورة الثانية بحسب المنظومة الثقافية والاجتماعية والدينية لكل مجتمع، وفي العراق اذا لم تكن تلك الاشكال والمظاهر هي الافضل والاكثر دلالة والاعمق معنى على الاطلاق، فإنها بلا شك حملت الكثير من سمات ومعالم التميز والخصوصية.

   وطبيعي جدًا أن فرض حظر التجوال الوقائي، الذي بدأ في عموم مدن ومحافظات البلاد اعتبارا من السابع عشر من شهر اذار-مارس الجاري، اثر سلبا على الواقع الحياتي لفئات وشرائح اجتماعية كثيرة، تعتمد على نشاطها اليومي لتأمين احتياجاتها العائلية الخاصة، مثل اصحاب المحال التجارية المختلفة والمطاعم والعاملين فيها، وسائقي سيارات الاجرة، والكثير من اصحاب المهن الحرة ذات الدخل المحدود، وهؤلاء يمثلون مع افراد عوائلهم نسبة لا يستهان بها من اجمالي الشعب العراقي.

   وربما، في بلد مثل العراق، وفي ظل الظروف الراهنة، من الصعب جدا على الحكومة ان تنجح في تأمين احتياجات الفئات والشرائح المتضررة من حظر التجول الوقائي، وفي حال كانت لديها مبادرات بهذا الخصوص، فإنها لا بد أن تكون بحاجة الى اسناد ومساهمة من قبل الجهات غير الحكومية والافراد.

   ولا شك ان ثقافة البذل والعطاء، تعد من أبرز سمات الشخصية العراقية، في الاطار العام الشامل، ولعل هذه السمة متأتية من الثقافة الحسينية، التي غالبا ما تبرز وتتجلى في مختلف المناسبات الدينية، لا سيما في زيارة اربعينية الامام الحسين عليه السلام، لتتحول الى سلوك وممارسة اجتماعية واسعة في الظروف الحرجة والتحديات الخطيرة، وهذا ما شهدناه حينما اجتاح تنظيم "داعش" الارهابي عدة مدن عراقية في صيف عام 2014.  

    ولعله ما إن بدأ تطبيق حظر التجول الوقائي، ولاحت آثاره وانعكاساته السلبية على كم كبير من المواطنين، حتى راحت صور البذل والعطاء تظهر تباعا بوتيرة متسارعة جدا، لا سيما بعد صدور فتوى من المرجع اية الله العظمى السيد علي السيستاني بشأن مساعدة العوائل المتضررة من الحظر، والتي قال فيها "إن توفير الحاجات الأساسية للعوائل المتضررة من الأوضاع الراهنة هو بالدرجة الأساس من مسؤولية الجهات الحكومية المعنيّة، ولكن في ظل عدم الاهتمام الكافي منها بذلك لا مناص من التوجّه إلى سائر الأطراف القادرة على المساهمة في هذا الأمر المهم الذي هو من أفضل الخيرات والقربات، والعمل بما يفي بالمقصود يتطلّب تعاونا وثيقا من عدة أطراف"، حددها المرجع السيستاني في فتواه بـ"أهل الخير من المتمكنين ماليا، بأن يساهموا بما يتيسر لهم في هذا المجال، والتجار ممن تتوفر لديهم المواد الغذائية ونحوها، بأن يعرضوها للبيع ولا يرفعوا من أسعارها بل ينبغي أن تكون مدعومة، ومجاميع من الشباب الغيارى، يتطوعون للتعرّف على العوائل المتعففة وإيصال المواد المخصّصة لها، بعد التنسيق في حركتهم مع الجهات الرسمية في ظل منع التجول الساري في معظم المناطق، واصحاب المواكب الحسينية الذين كان لهم دورٌ مشرف في رفد المقاتلين الأبطال بكل ما يحتاجونه في أيام الحرب مع داعش".

   وفي الوقت الذي انتشرت فيه حملات توفير السلات الغذائية من قبل عشرات المجاميع من رجال الدين واصحاب المواكب الحسينية والنخب الاجتماعية المختلفة، وايصالها الى الاف العوائل في المناطق الشعبية في العاصمة بغداد والمحافظات الاخرى، عجت مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية بالعبارات والمفردات التشجيعية والتحفيزية والهاشتاغات الترويجية من قبيل "رحماء بينهم" و "خليك بالبيت ومسواكك علينه"، "خليك في بيتك واحنه نجيلك".

   وتشير التقديرات الى ان ما تحقق عبر هذه الحملات وخلال ايام قلائل، لا يمكن لحكومات ومؤسسات رسمية أن تقوم به، اذ تتحدث بعض الاوساط عن أن مئات الاطنان من الخضراوات والفواكة واللحوم والمواد الغذائية الجافة تم توزيعها على الاف العوائل، وما زالت الجهود متواصلة باطراد.

   ولم تقتصر المبادرات الانسانية على توزيع المواد الغذائية، فالعديد من أصحاب مولدات الطاقة الكهربائية الاهلية، اعلنوا عدم استيفاء الاجور لهذا الشهر والشهر المقبل تقديرا للظروف التي تمر بها اكثر العوائل، وكذلك كانت هناك حملات لتوزيع الكمامات والقفازات ومواد التعقيم، واكثر من ذلك بادر بعض اصحاب الفنادق والعقارات الخاصة في كربلاء والنجف ومدن اخرى الى التبرع بأملاكهم خلال فترة الازمة لتحويلها الى اماكن للحجر الصحي للاشخاص المصابين.

  وبلا ادنى شك فإن مثل تلك الحملات والمبادرات الانسانية، كان لها الاثر النفسي والمعنوي الكبير لدى من شملتهم، وفي ذات الوقت، فإنها أكدت حقيقة مهمة للغاية، ألا وهي أن أزمة فايروس كورونا، أظهرت الكثير من الجوانب الايجابية للمجتمعات التي تعرضت لها، والمجتمع العراقي احد ابرز المصاديق على ذلك.

العراق

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات