آراء وتحليلات

أميركا وفخ الفاخوري: هكذا تدوس سيادة الدول

23/03/2020

أميركا وفخ الفاخوري: هكذا تدوس سيادة الدول

شارل ابي نادر

شهد لبنان الاسبوع المنصرم ما يشبه الازمة الوطنية، وذلك على خلفية تهريب السفارة الاميركية في عوكر العميل عامر الفاخوري، بعد إشكالية قرار المحكمة العسكرية بوقف التعقبات واسقاط التهم عنه والمتعلقة بجرائمه ضد الاسرى في معتقل الخيام قبل التحرير عام 2000.

صحيح أن لبنان يعيش اليوم تداعيات واخطار الفيروس كورونا الذي بدأ يهدد بانتشار واسع سوف يصعب ضبطه، ولكن أخذ موضوع العميل فاخوري حيزًا واسعًا من الاهتمام لا بد من الاضاءة عليه خاصة أنه لامس بتداعياته أكثر من ناحية وطنية سيادية أو قانونية أو سياسية، والتي يمكن تحديدها بالتالي:

لناحية القانون

- أصبح واضحًا أن هيئة المحكمة العسكرية اتخذت القرار بالاجماع استنادا للنص القانوني الواضح بالمادة 10 من قانون اصول المحاكمات الجزائية، والقاضية بمنع التعقبات عن الجرائم التي يمر عليها الزمن، وايضا استنادا الى قانون العقوبات في مواده 273 و274 و275 ( عن العمالة ودس الدسائس واقتراف الجرائم باشراف العدو) والتي لا تستثني الجرائم المذكورة في هذه المواد والمنسوبة للعميل من قاعدة مرور الزمن .

- الثغرة القانونية الاساسية والتي عمل عليها محامو العميل وتابعها فريق قانوني اميركي، كانت في منعه (لاسباب صحية اختلقوها كذبا) من المثول أمام قاضي التحقيق بموجب ادعاء بحقه حول تورطه أو تدخله بجريمة اخفاء وخطف أسير من المعتقل قبل التحرير، وحيث ان الجريمة حسب القانون هي متمادية ومستمرة ولم يتم اثبات وفاة الاسير المخفي، فإنها تبقى غير خاضعة لمرور الزمن العشري وبالتالي كانت تستدعي حكما الاتهام والمحاكمة لو تسنى اخضاعه للتحقيق.

لناحية تجاوز السيادة اللبنانية

بتهريبهم العميل بهذه الطريقة من خلال طوافة عسكرية من سفارتهم في عوكر، يكون الاميركيون قد تجاوزا وبوقاحة، القوانين والاتفاقات الدولية واتفاقية فيينا للعلاقات الديبلوماسية.

- فالقانون الدولي الجنائي، يحفظ لكل دولة ذات سيادة وللدولة اللبنانية هنا بالتحديد، صلاحيتها الاقليمية في اجراء المحاكمة لكل الجرائم التي ترتكب على الاقليم اللبناني البري والجوي والبحري وبحق مواطنين لبنانيين، وذلك مهما كانت جنسية المرتكب، فكيف اذا كان العميل الفاخوري هو لبناني الجنسية (بالرغم من حيازته على الجنسية الاميركية)، واستطرادًا حتى لو كان اميركيا فقط، فان القانون الدولي الجنائي يمنع قيام أي دولة من تهريب أو حتى من استراداد أي من رعاياها حسب المفهوم القانوني للاسترادا، في حال إرتكب الجريمة على ارض دولة خارجية اخرى ذات سيادة، ويعطي الحق أو الأفضلية للأخيرة بمحاكمته.

- من ناحية أخرى، فقد تجاوز الأميركيون أيضًا في تهريبهم للعميل، اتفاقية فيينا للعلاقات الديبلوماسية، وذلك من خلال مخالفة روحيتها بشكل عام، وبشكل خاص من خلال مخالفة المادة 3 منها (حماية مصالح الدولتين، المُعتمَدة والمُعتَمَد لديها، في الحدود المقررة في القانون الدولي)، والمادة 41 ( على الديبلوماسيين احترام سيادة وقوانين الدولة المعتمدين لديها، وعليهم عدم التدخل في شؤونها الداخلية)، بالاضافة ايضا لمخالفة الاميركيين وتجاوزهم لاتفاقية التعاون العسكري بينهم وبين الجيش اللبناني، والتي تسمح وتحدد حركة طائراتهم الى السفارة أو الى قاعدتي حالات أو رياق الجوية، وذلك فقط لما يرتبط ببرامج التدريب وبالمساعدات العسكرية المقدمة منهم للجيش اللبناني.

من الناحية السياسية

لا شك أن الأميركيين مارسوا ضغطًا واسعًا وهائلًا في موضوع العميل، بهدف منع محاكمته وانهاء توقيفه واخراجه من لبنان، وهذه الضغوط كانت مكشوفة وطالت الجميع، في السلطة السياسية أو في وزارة الدفاع، وحتى لدى ضباط هيئة المحكمة العسكرية، والسبب المخفي هو ليس العميل بحد ذاته، بالرغم من أنهم أوحوا بأهمية موقعه كحائز على الجنسية الاميركية، وحيث ذكر اسمه شخصيا الرئيس ترامب، مع انه تلعثم بقراءته كدليل على عدم معرفته به، فهو عمليا، أي العميل فاخوري، غير قادر على اعطائهم أية معلومات حساسة بحكم وضعه الذي سيكون مراقبًا  ومتابعا بشكل دائم، ولديهم اصلا كوكبة غير بسيطة من العملاء من اعلاميين أو سياسيين أو غيرهم، ومن الناشطين الذين لديهم القدرة على تزويدهم بالكثير من المعلومات الحساسة.

النقطة المخفية بالموضوع، أن الهدف الاميركي الحقيقي في هذا الملف هو احداث شرخ واسع وعميق بين عدة اطراف لبنانيين، وخاصة بعد توجيه ترامب الشكر (الممزوج بالسم) للحكومة اللبنانية "على تعاونها"، من خلال خلق الشكوك بين مختلف الأطراف لناحية امكانية التورط بصفقة سرية من وراء ظهر المقاومة، وحيث كانوا يعلمون حتما (الاميركيون)، وخاصة بعد مسلسل ضغوطهم على الجميع خلال كامل فترة توقيف العميل، انهم في ترتيب هذا الاخراج سوف يحققون هذا الشرخ الذي طالما سعوا اليه، وخاصة بين المقاومة وبين رئيس الجمهورية وفريقه السياسي والرسمي، بالاضافة لتحقيق الشرخ المطلوب دائمًا، بين المقاومة وحلفائها أو بينها وبين قسم من بيئتها.

 من هنا بنى الاميركيون استراتيجيتهم على الضغط والتهديد الواسع، فكان واضحًا انهم سوف يذهبون في تهديداتهم المالية والاقتصادية والسياسية وربما العسكرية الى النهاية، وهذا ليس بغريب عنهم حيث يعتمدون ذلك الاسلوب في اغلب علاقاتهم الخارجية مع الدول.

ومن هنا كان الموقف الحاسم والذكي والاستراتيجي لحزب الله، من خلال فهم واستدراك النوايا الاميركية الخبيثة في ادارة الملف بهذه الطريقة، الامر الذي لم يفهمه البعض عن حسن نية، أو الذي حاول استغلاله البعض الاخر عن سوء نية، وحيث أعرب حزب الله صادقا عن رفضه بالكامل لمنع المحاكمة واسقاط التهم عن العميل، طالبًا متابعة الموضوع من خلال لجنة تحقيق برلمانية، او حتى عبر المحاكم الدولية، فقد شكل بموقفه هذا صمام الامان في عدم تدحرج العلاقات الداخلية الى هذا الشرخ الذي سعى اليه الاميركيون، واستطاع من جهة اخرى منع حصول اي توتر او تدهور أمني أو سياسي داخلي.

عامر الفاخوري

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات