خاص العهد

عماد مغنية: كل القضايا شتات إلا فلسطين

13/02/2020

عماد مغنية: كل القضايا شتات إلا فلسطين

سامر الحاج علي

نحو الحدود تمر بنا الطريق على اللبونة في مرتفعات الناقورة، هناك بعض من أماكن يمكنك أن تشتمّ فيها رائحة "الشبح" الذي قلّب الأرض أثلاماً وأثلاماً حتى أنبت فيها أرواحاً لا تموت. وكأنه رسم في فلوات أكناف بيت المقدس طلاسم لا يدرك فك معانيها إلا من أتقن لغة السّلاح من قَبل أيام الاجتياح إلى ما بعد ليالي رايات التبشير.

هناك على حدود الفتح الذي رسم طريقه "حاج فلسطين" يمكنك أن تدرك جيداً في أي ذات شوكة مضى منذ بداية رحلة عمره. عمره الذي أفناه وهو يمني الطرف ببعض من حكايا العودة وقصص آخر الطريق. إذ دخل الأرض كما دخلوها من قبل أول مرة، وكبّر في فناء محمّدي مستعيداً حكايا الأنبياء من قبل سليمان ربما، فموسى وابن مريم ترقباً لابن الحسن (عج). وبين هذا وذاك معاجز فهم عماد مغنية كيف يفك معانيها ليعيدها على صورتها الأولى، حقيقة أزلية لا يهادن فيها ولا يقوى على تركها. كل القضايا شتات إلا فلسطين، الساكنة في قلبه كما تراها عند وصولك إلى اللبونة.. على مرمى حجر.

*حكايا زمن البدايات

من اللبونة تواصل بنا الطريق إلى النقطة المقابلة لموقع الحمرا في منطقة الموقع المهجور بخراج علما الشعب، هناك تحيط بك مجموعة من المواقع العسكرية الصهيونية المتمركزة لحماية قطعان المستوطنين من حدقات عيون ينتظر رهبانها إشارة العبور، وكل ذلك وفق تعليمات الحاج رضوان الساكن في كل شبر من حدود الأرض الجنوبية. وهناك كان رفيقٌ من أيام جهاد عماد، يحلو لنا أن نسميه "أبو جهاد"، اللبناني الذي يحمل هوى فلسطين هوية وفي سجلّه كثير من الحكايا التي تعيدك إلى زمن البدايات، الى يوم حمل عماد مغنية البندقية مرعباً فلول الاجتياح عند مداخل بيروت، ويوم كتب بعبقرية تكتيكاته هزيمة متعددة الاتجاهات في تموضعات ظن أصحابها أنها أقوى من بروج شُيِّدَت لتبقى فهَوَت كما تهوي الريح في ليالي شتاء عاصف.

عماد مغنية: كل القضايا شتات إلا فلسطين

يطول الحديث مع أبو جهاد، القيادي المركزي السابق في أحد تنظيمات الثورة الفلسطينية، حول علاقة الشهيد عماد مغنية بالمقاومة الفلسطينية وفصائلها منذ البدايات. فإضافة إلى أن الحاج رضوان كان قد أجرى مصالحة بالمعنى الفكري مع كل تكويناتها وتشكيلاتها بأبعادها القومية واليسارية والإسلامية، بدأ بعقد لقاءات مع قياداتها العسكرية بعد الاجتياح الاسرائيلي للعاصمة في العديد من الأماكن في الضاحية الجنوبية لبيروت الحاضنة للمقاتلين، ومنها قيادات من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

* معسكرات التدريب

في تلك الفترة، كان توجُّه الشهيد عماد مغنية للاستفادة من وجود فصائل المقاومة الفلسطينية في منطقة البقاع، وبحسب أبو جهاد، التحق مع مجموعة من رفاقه بأحد معسكراتها ليخضعوا لدورة في حرب العصابات ومكافحة التجسس والاستعلام عن العدو، انطلاقاً من فكرة كان يرددها وتتلخص في أنه وبالرغم من كل المعارف العسكرية التي يمتكلها الأفراد إلا أنهم بحاجة دائمة إلى تطوير المعارف والإدراك العسكري واستخدام الوسائط المتاحة لأفضل أشكال المواجهة مع العدو.

ما ميّز الشهيد عماد في هذه الدورة بنظر أبو جهاد أنه ورغم معارفه الأمنية والعسكرية السابقة إلا أنه كان يؤمن بالفريق الذي يجب أن يكون بقدر المسؤولية. والفريق المقصود هنا هو هذه الثلة من الشباب المتدربين الذين اكتشفوا من خلال تصرفاته أن الكاريزما لا تصنع فريقاً بقدر ما أن الفريق هو من يحمي هذه الشخصية وهذه الكاريزما، كما اكتشف المدربون تماماً حينها أنهم أمام حالة خاصة لديها المعرفة والكفاءة القتالية ولها القدرة على السيطرة والقيادة.

* كل التجمعات الاسرائيلية من محيط بيروت الى الدامور يجب أن تضرب

ومن معسكرات التدريب إلى ميدان العمليات انتقلت تجربة أبو جهاد مع الشهيد عماد مغنية: "بدأنا بتنسيق عمليات مشتركة من مبدأ يقول إن المعسكرات والتجمعات الاسرائيلية المتمركزة من محيط بيروت الى منطقة الدامور يجب أن تضرب بكل الأسلحة الممكنة كي لا يبقى للعدو مكان آمن يتمركز فيه، ونفذت بالفعل العديد من العمليات عند جسر الدامور ومحطة الريشاني وموقع حنين وجسر الشويفات وصيدا القديمة قبل أن تتوسع هذه العمليات التي نقلها عماد إلى الجنوب مع عملية الاستشهادي أحمد قصير في صور وعمليات أخرى نفذت في عمق الكيان، وصولا الى عمليات أسر جنود من أجل تحقيق هدف جوهره كسر مفهوم التفوق الاسرائيلي ومفهوم ادارته للمعركة على أساس أنه هو من يقرر طبيعة المعركة، وقد تم العمل على كثير من هذا النموذج وتحقق في مراحل عديدة وكان نفس الشهيد عماد وتخطيطه موجود بقوة فيه كعملية نفذت في كفردونين وأحدثت فارقاً في مفهوم الصراع مع العدو على هذا الصعيد، إلى جانب عمليات كبرى سنترك للتاريخ الحديث عنها".

* لا قيمة لأي مقاومة لا تنتصر لفلسطين

ويكمل أبو جهاد الحديث عن عماد مغنية الذي كان دائما يُثقِّف بالمفهوم العقائدي والوطني والشرعي أن ليس هناك من قيمة لأي مقاومة لا تنتصر لفلسطين، وأن هذه المقاومة يجب أن تقوم على توحيد الجهود لمواجهة العدو، ومن هنا تبرز اهتماماته بالصراع الاسرائيلي - الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة. كانت لديه القدرة على تأمين التسليح وموارد استمرار المعركة ليس للحركات الإسلامية فقط بل لكل الفلسطينيين من مقاتل ومواطن وأسير ما جعل منه ومن حزب الله جوهرة عقائدية قتالية للشعب الفلسطيني وقوة مضافة في صراعهم في العدو، تماماً كما الجمهورية الإسلامية في ايران، حيث كان عماد مغنية يرى منذ مجيء الحرس الثوري إلى لبنان أن هناك أهمية لوصل العلاقة بين الحرس وبين الثورة الفلسطينية وبين الشعبين الإيراني والفلسطيني وبقية الشعوب العربية.

كان لعماد مغنية رؤية خاصة تعتبر أن الانتصار على العدو يحتاج لممارسة الكفاح المسلح والبندقية المقاتلة وفرض وجود نسبي في طبيعة الصراع، وقد عمل على تطوير فكرة المزاوجة بين حرب الشعب والحرب العصابية وشيء من الحرب الكلاسيكية كاستخدام الصواريخ لإيجاد معادلة جديدة في بُعد الأمن الداخلي الاسرائيلي، يقول أبو جهاد، ويضيف أحاديث عن حوارات كثيرة كان يؤكد فيها الشهيد أن الاشتباك المجتمعي مع العدو هو ضرورة استراتيجية يجب أن تحمى في البعد العسكري والجهادي وهو ما حصل بالفعل إلى أن حققت غزة انتصاراتها المتتالية وصولاً إلى تدمير بنية جيش الإحتلال بسلاح فعّال يستخدمه مقاتل عقائدي له بعده الاسلامي والوطني والقومي، كصواريخ الكورنيت التي دمرت الميركافا أسطورة الجيش الإسرائيلي.

* العلاقة مع غزة وفصائل المقاومة فيها

ومن الكورنيت يتطرق أبو جهاد لعلاقة الشهيد عماد مغنية بغزة وبفصائل المقاومة فيها. وهو الذي كان يؤمن بفكرة الصراع على مراحل دون إهمال الهدف الاستراتيجي. بدأت العلاقة على قاعدة ان "المهارشة" مع العدو يجب أن تتحول إلى اشتباك، فبدأت الكمائن والمواجهات المباشرة. وفي البعد الآخر كان العمل على إحداث تسليح نوعي في ظل وجود مقاتل نوعي لإدخال شكل جديد من الصراع وتهديد الامن الإسرائيلي مباشرة ورفع كلفة خسائره وفي هذا السياق استخدم القوة التي يمتلكها حزب الله بالمعنى القتالي وسخّرها لكل الفصائل ومنها كتائب شهداء الأقصى المنبثقة عن حركة "فتح"، وهذا الدور لم يتوقف مع استشهاده بل أكمله إخوانه من بعده حتى وصلت الصواريخ التي تصل إلى "تل أبيب" وغيرها من بقع الإستيطان الصهيونية.

عماد مغنية: كل القضايا شتات إلا فلسطين

لا يتوقف وفاء الحاج رضوان لفلسطين على بُعد العسكر والأمن، اذ كان يمتلك الحس الانساني ارتباطا بمعاناة الشعب الفلسطيني ومخيمات اللجوء. يلمس أبو جهاد أن الفلسطيني كان شريك عماد في التربية والعلاقة والجغرافيا والمصير المشترك وكان ينظر الى المخيم على أنه خزّان انساني يجب أن يُحترم تاريخه وحقه النضالي وكرامة الشعب بداخله وكان على الدوام يجول فيها ويزورها.

* رسالة ودمعة

يتواصل الحديث الذي لا يمكن حصره بصفحات وكلمات ويمضي الوقت الذي كنا نرى فيه وجه عماد مغنية فوق تلال فلسطين المنكشفة أمام الحدود. يردد أبو جهاد بعضاً من كلماته التي يألفها، وفيها رسائل لصديقه القديم: الفكرة التي تقول إن حزمة القوة تسقط مغتصب وإن البندقية المرتبطة بالعقيدة تقاتل كي تنتصر، وإن الشعب الفلسطيني مستمر في مسيرته القتالية تحققت، ومحور المقاومة الذي كنت تراهن عليه لعالمية هذه المقاومة انتصر، أما فلسطين فتعدك بالانتصار وستبقى وفيّة لك ولكل الشهداء الذين استشهدوا من أجل التراب الوطني الفلسطيني.. ينغصني يا عماد الموقع الاسرائيلي المقابل أمامنا لكن علّ وعسى أن طيفك يأتينا في حمام زاجل يحمل بنادق مقاتلة وثوّارًا لننتصر مجدداً على هذا العدو..
تدمع عينا أبي جهاد، ويحمل في يديه صورة لشهيد الأمة المقاوِمة، يلقى بها إلى ما خلف الحدود ثم يركع ويقبل تراب الأرض ويمضي في رحلة العودة إلى حيث أتى، هناك يمكنه أن يكتب ما شاء من قصص تختزنها أوراق الزمان الذي شاب من وقع دماء أرهقت مشاريع الاستكبار وأذلت كل مغتصب داس هذه الأرض.. فقصمت ظهره، والتوقيع على الدوام.. عماد مغنية.

 

عماد مغنية

إقرأ المزيد في: خاص العهد