خاص العهد

أزمة مزارعي الموز: خسائر فادحة ودولة لا مبالية

18/11/2019

أزمة مزارعي الموز: خسائر فادحة ودولة لا مبالية

سامر الحاج علي

لم تكن الصرخة التي أطلقتها النقابات الزراعية في الجنوب قبل أيام كفيلة إلى الآن بتحريك من يعنيهم الأمر - إن كان يعنيهم أصلاً - لمنع تدحرج القطاعات الزراعية في لبنان نحو هاوية الانهيار الكلّي بعد معاناة عمرها من عمر النظام الاقتصادي، القائم على تهميش قطاعات الإنتاج في لبنان والمتمثلة بالزراعة والصناعة. فبلاد الأرز التي كانت الحمضيات مثلًا سفيرها الدائم على موائد العرب لم تعد قادرة اليوم على تصدير رطل واحد من الموز إلى أسواق هذه الدول والأسباب يطول الحديث عنها.

لمصلحة من يُدمّر واحد من أهم القطاعات الإنتاجية في لبنان؟

قبيل عقود من الزمن ونتيجة لمحدودية تصريف إنتاج الحمضيات وتدني أسعارها، بدأت زراعة الموز تنتشر على طول الساحل الجنوبي حتى أصبحت هذه السهول موطنًا لها، فحققت خلال السنوات الأولى أرباحًا عوّضت جزءًا من خسائر أكل الدهر عليها. لكن نتيجة لعدم وجود سياسات زراعية توفر الأمن الزراعي من خلال اتفاقيات دولية وإجراءات تدعم الإنتاج الوطني، بدأت ترتفع صرخة جديدة ليست بغريبة وتكاد تكون نسخة طبق الأصل عن صرخة مزارعي الحمضيات في الماضي. إلا أن ما يختلف هذه المرة أن مفتاح الحل يمكن أن يكون بيد لبنان وسياساته الحكومية التي تصر أولاً على رفض إعادة تحريك مروحة التواصل وتفعيلها مع القيادة السورية التي تعد بلادها - وبحكم الموقع الجغرافي - بوابة العبور نحو الأسواق العربية، والمستورد الرئيسي لموز لبنان الذي دخل على خط أزمته هذا العام حصار يفرضه قطّاع الطرق الذين يصرون على تقطيع أواصر الوطن وخطوط التصدير من الجنوب إلى البقاع مروراً ببيروت والجبل. فلمصلحة من يُدمّر واحد من أهم القطاعات الإنتاجية في لبنان؟ يسأل رئيس نقابة مزارعي الموز والحمضيات في جنوب لبنان المهندس سليم مراد .

يشرح مراد الأسباب التي دفعت المزارعين للجوء إلى زراعة الموز، ثم ينتقل إلى الأزمات التي تمر بها هذه الزراعة خلال السنوات الأخيرة على الرغم من أنها تحقق أرباحًا وافرة تساعد على رفع الإنتاجية الزراعية في لبنان، فهذه السهول الممتدة من الناقورة إلى صيدا تنتج ما يقارب المئة وخمسين ألف طن من الموز (وصلت لذروة انتاجها ولا تحتمل ظروف المناخ المتبدلة وتقدر عائداتها المالية بما يزيد عن مئة مليون دولار) يصدّر 45 بالمئة منها إلى أسواق الجمهورية العربية السورية التي تعد بوابتنا لتصدير الإنتاج وتصريفه.

في حديث لموقع "العهد الاخباري، يعتبر مراد "أننا لا نستطيع بأي شكل من الأشكال أن نتخلى عن العلاقة مع سوريا إذ ثمة علاقة معها قبل السياسة وهي العلاقة بين شعبينا المتعايشين والمتحابين، وأنه محتوم علينا جميعا أن نتبادل منتوجاتنا وإنتاجنا بيعاً وشراءً وهو ما يحد منه اليوم أمران أساسيان يتمثلان بقطع الطرقات الداخلية التي يقوم بها البعض بين المناطق اللبنانية وقطع الطريق الدولية التي تستخدم في التصريف والتصدير".

يضع مراد الأزمة اليوم برسم ما تبقى من الدولة اللبنانية "إذا كان فيها من لا يزال يخاف على مصلحة الناس، وما نطلبه كمواطنين يحق لنا _ مثل بقية اخوتنا في مختلف المناطق، أن نصرّف إنتاجنا إلى خارج حدود الوطن وأن تقوم القوى الأمنية بواجبتها ومسؤولياتها، فكما تقوم بحماية الحراك والمتظاهرين عليها أيضاً أن تحمي انتاجنا وأعمالنا لكي نكمل حياتنا ونقوم بتسديد المستحقات المتوجبة علينا خاصة وأنه لم يعد لدى أي من المزارعين القدرة على تحمّل تبعات عدم تصريف الإنتاج في ظل زيادة الفوائد على الديون المتراكمة أيضاً بسبب إقفال المصارف".

أزمة مزارعي الموز: خسائر فادحة ودولة لا مبالية

ويتطرق مراد في حديثه لـ"العهد" إلى ما يعني الجانب السوري من هذه الأزمة، فيشير إلى أن العلاقة بين لبنان وسوريا لطالما كانت مميزة وما نطلبه من المجلس الاقتصادي السوري اليوم هو تسريع اتخاذ قرار عبر وزارة الاقتصاد السورية بإعطاء اجازات للمصدرين اللبنانيين لتسهيل عملية التصدير.

مناشدة للرئيس الأسد

مطالب مراد التي يختم بها حديثه بما يرتبط بالشق السوري، يبدأ بها رئيس تجمع مزارعي الجنوب محمد الحسيني حديثه لموقع "العهد" الإخباري، فيتوجه بالطلب من الحكومة اللبنانية التدخل العاجل والسريع للسعي لدى الحكومة السورية لتسهيل دخول الإنتاج الزراعي اللبناني من الموز الى الأسواق السورية أسوة بالإنتاج السوري الذي يعادل أضعاف الإنتاج اللبناني والذي يدخل الأسواق اللبنانية بكل رحابة صدر عملا بالعلاقة الأخوية التي تربط الشعبين.

ويلفت الحسيني إلى أن الرئيس بشار الأسد لطالما كان ولا زال حريصاً على المزارع اللبناني، لذلك نحن نناشده، فالمزارع اللبناني بدأ فعلاً يعاني من خسائر فادحة جراء تكدس الإنتاج، خسائر لن يعوّضها سوى فتح الأسواق السورية أمامنا، مشيراً إلى أن قضيتنا لا تقف عند حدود لبنان وسوريا حيث إن عشرات برادات النقل التي تحمل الموز اللبناني عالقة منذ أيام عند الحدود السورية الأردنية ولا تستطيع الدخول إلى الأردن وهذا الأمر يستدعي تدخل رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري شخصيًا لدى الملك عبد الله الثاني لفتح الأسواق الأردنية أمام الانتاج اللبناني عملًا بالاتفاق الموقع بين الجانبين، علمًا أن الميزان التجاري يميل لصالح المملكة الأردنية الهاشمية بفارق كبير.

خسائر فادحة لا يمكن أن يتحملها المزارع

وبين النقابة والتجمع مزارعون لا يغادرون سهولهم التي سقوها سنيّ عمرهم لكي تنمو وتزهر. حسن دهيني واحد منهم. يتجول بين أشجار الموز ويحدّق مليّاً برزقه الذي سيُتلف إذا لم يجرِ تصديره في أسرع وقت ممكن. ليس لنا كلبنانيين بوابة لتصريف إنتاجنا إلا سوريا إن كان إلى أسواقها أو إلى أسواق بقية الدول العربية كالأردن والعراق وغيرها، يقول دهيني آملاً من الأخوة السوريين وعلى رأسهم الرئيس الأسد أن يتعاونوا على وجه السرعة، بعد أن أصبحت سهولنا في ذروة الإنتاج الذي يستمر لغاية كانون الثاني.

واذ يؤكد دهيني أننا سنكون أمام خسائر فادحة لا يمكن أن يتحملها المزارع إذا لم ننجح في تصريف الإنتاج، يسأل الدولة عن المصلحة من غياب السياسات الزراعية الواضحة والمجدية والتي تساعد على خدمة المزارع وصموده في أرضه وتسهم في استنهاض القطاع الزراعي بشكل عام، وهو ما يطرحه أيضاً المزارع رضا عون مقدماً العديد من الاقتراحات التي توصلنا إلى حلول تسبق وقوع الكارثة وتتمثل بالسعي لتوقيع اتفاقيات طويلة الأمد حتى لا نضطر في كل عام للبحث عن حلول في أوج المواسم.

ثم نكمل الجولة بين البساتين ومعاناتها في خلاصة واضحة وضوح الشمس "إذا لم نصل لاتفاق مع الحكومة السورية ستحل النكبة على مزارعي الموز"، الزراعة الذي تغطي شتولها ما يصل إلى السبعين بالمئة من أراضي السهول الجنوبية والتي قاومت العدو الإسرائيلي فانتصرت عليه ولكنها تقف حائرة اليوم أمام لا مبالاة بعض أصحاب القرار السياسي في لبنان، والذين ربما لا زالوا يعيشون فصلاً من فصول طيش الرهان على انكسار ارادة سوريا وقيادتها التي وقفت إلى جانب بلاد الأرز يوم باعها كل العرب.

لبنان

إقرأ المزيد في: خاص العهد