آراء وتحليلات

موقع لبنان بالمواجهة الشاملة في خطاب السيد نصر الله

14/11/2019

موقع لبنان بالمواجهة الشاملة في خطاب السيد نصر الله

محمد أ. الحسيني

يمتاز الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله بخطاب لا ينفصل عن المناسبة التي يتحدّث فيها، وينطلق منها إلى إعلان مواقف حزب الله حيال الشؤون المحلية والإقليمية والدولية ورسم الخطوط السياسية التي تحكم مسار هذه المواقف، وهي تأتي غالباً متعلّقة بالظروف الآنية للمراحل الزمنية المختلفة.. هذا في الظاهر، أما في تحليل الكلمات وباطنها وما بينها وما قبلها وما بعدها، ولا سيما في الخطاب الأخير الذي ألقاه لمناسبة يوم الشهيد، فيبرز رابط زمني متسلسل، لا يقف عند حدّ علاقته بالمناسبة والحدث والظروف الآنية، بل يأخذ هذا الرابط موقعه في إطار خارطة جيوسياسية شاملة يقود تجميع عناصرها إلى تشكيل الصورة الاستراتيجية التي يراها السيد نصر الله للبنان وموقعه في المعادلة الإقليمية والعالمية.

دائرة الاتصال من اليمن إلى لبنان

قبل عشر سنوات وللمناسبة نفسها، تحدّث السيد نصر الله عن ملفات الداخل والخارج، مؤكدًا أن مقاومة حزب الله ليست منفصلة عن كل حركة المقاومة في لبنان ومنطقتنا منذ الانطلاقات الأولى لمن سبقنا، وهي حلقة متّصلة بكل الأجيال الآتية التي ترفض الخضوع للاحتلال وللاستعمار وللاستكبار، وها هو اليوم يباشر خطابه السياسي من اليمن الفقير والمحاصر الذي حقّق بقيادته الشابة ومقاتليه انتصارات نوعية أقرب إلى المعجزات في مواجهة حلف عسكري عالمي، ويردّ على التهديدات الإسرائيلية بتهديد أكبر وأقسى، ويشكّل عامل قوة جديدًا وإضافيًّا ومهمًّا وإستراتيجيًّا لمحور المقاومة وجبهة المواجهة، نظراً لموقع اليمن والبحر الأحمر وقدرته على الوصول إلى كيان العدو.

ما يريد أن يقوله السيد إن دائرة الاتصال قد تنامت على مدى السنوات، لتصل إلى حد تشكيل إطار مقاوم بات يمتدّ من اليمن إلى العراق وسوريا ولبنان وصولاً إلى فلسطين ليحاصر الكيان الصهيوني، في حين تشكّل إيران رأس حربة هذا المحور، وهي التي أفشلت خطط كل الحكومات الأمريكية المتعاقبة في تركيعها ودفعها للرضوخ، وأسقطت رهانات بعض الدول الإقليمية التي كانت تأمل في شنّ حرب أمريكية - إسرائيلية عليها، فيما لا يزال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ينتظر الهاتف (الإيراني) الذي لن يرنّ، وبالتالي فإن استراتيجية الإخضاع فشلت، وإيران صمدت، و"تخرج قوية مقتدرة عزيزة، حاضرة في موقعها الإقليمي الكبير وفي تبنّيها لقضايا المنطقة وشعوب المنطقة".

وقد يقول قائل إن هذا المنحى في الخطاب بات معتاداً في إطار الأدبيات الاستنهاضية للشعوب، ويندرج في سياق الكباش الإعلامي - السياسي لإحباط سياسة التهديد والتهويل التي يعتمدها الغرب حيال قوى الممانعة في المنطقة. ولئن كان هذا الادّعاء صحيحًا في العنوان العام، ولكن خطاب السيد يطرح في التفاصيل معادلة جديدة بأرقام حقيقية ووقائع راهنة تتصل بدول المحور الجديد للمقاومة وماهيّة دورها الجيوستراتيجي على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وخط الاتصال الذي يجمعها والاستهداف الأمريكي المباشر لها، وهو لم يتحدّث فقط عن لبنان في إطار المواجهة مع كيان العدو، بل وضعه في صلب تشكيل هذا الخط، انطلاقاً من الحديث عن موقع لبنان واستهدافه من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة التي عملت ولا تزال جاهدة لإسقاطه عبر الحصار السياسي والمالي والاقتصادي، ومنعه من امتلاك المقدّرات التي تجعل منه بلداً مستقلاً ذا سيادة، وقادراً على أن يتخلّص من عبء الأزمات المفتعلة التي يعيشها بفعل الضغط الأمريكي.

واشنطن والخطوط الحمراء

قد يقرأ البعض في مواقف السيد نصر الله عن الحراك الشعبي، وبعض مطالبه التي تحظى بإجماع وطني وفي مقدّمها مكافحة الفساد ومحاكمة ومحاسبة الفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة والمسروقة، أنها محض محليّة داخلية تتّصل بالدعوة إلى الاستفادة من الفرصة السانحة لمحاكمة الفاسدين في لبنان، إلا أن هذه المواقف لا تنفصل في الحقيقة عن المعادلة الإقليمية والدولية ومسار المواجهة الشاملة مع الأمريكي والإسرائيلي.

فالفساد في واقعه لا ينفكّ عن السياسة الأمريكية التي تتعمّد تعميق المأزق الاقتصادي اللبناني وجعله مرهونًا للبنك الدولي والقروض الخارجية، سعيًا لوضعه تحت الوصاية الدولية ورهن قراره السيادي للخارج. ومن هنا فإن قطع يد الفاسدين، إلى أي جهة انتموا، من شأنه أولاً استرجاع الأموال المنهوبة، ووقف الهدر وضبط المشاريع الاستثمارية، وإتاحة الفرصة ثانياً أمام المشاريع الإنتاجية ولا سيما في قطاعات الزراعة والصناعة والنفط، وهو ما يوفر للبنان موازنات مالية ضخمة تتيح له التخلّص من أعبائه المالية والاقتصادية.

لم يقف السيد نصر الله عند حدّ الإضاءة على عناصر المشكلة بل انتقل إلى اقتراح الحلول والبدائل والخيارات، وهي موجودة وواقعية وليست افتراضية، كاشفاً عن أن الأميركيين عملوا على إشعال الاضطرابات في العراق ولبنان لقطع استفادتهما من الخط التجاري البري، خصوصاً بعد فتح معبر البوكمال رغماً عن أنف الإدارة الأمريكية، وهو خط ينعش التجارة بين لبنان وسوريا والعراق ويرفع قيمة الوفر المالي إلى حدود ثلاثة مليارات دولار في العام، فضلاً عن منع لبنان السماح للشركات الصينية بالاستثمار فيه، ومنع الشركات اللبنانية من المشاركة في ورشة إعادة الإعمار في سوريا، وكلها خيارات تعود على لبنان بالمبالغ الطائلة، ويفتح المجال لفرص العمل أمام اللبنانيين بكافة مجالات أعمالهم واختصاصاتهم، وكل ذلك يعني أن الأمريكي يقفل كل الأبواب أمام رخاء وازدهار لبنان، ليس فقط أن الصين وسوريا هما خصما واشنطن، بل أيضاً لإضعاف لبنان وإدامة وضعه في خانة المستجدي والخاضع للإملاءات الخارجية بعناوين مالية واقتصادية.

أي حكومة نريد للبنان؟

ولكن هل يستطيع لبنان أن يأخذ القرار الجريء بمواجهة الولايات المتحدة الأمريكية والغرب ويمد اليد إلى الصين وروسيا وإيران؟ هنا لا بد من الالتفات إلى ربط بعض الإشارات في مواقف السيد نصر الله لفهم المسألة. فهو ألمح إلى أن سوريا استطاعت أن تتفلّت من القيد الأمريكي وسمحت للصين وروسيا بالاستثمار في أرضها ومشاريعها، كما فعلت دول أخرى عربية على الرغم من ممانعة واشنطن لذلك، وسوريا التي واجهت حرباً كونية استطاعت أن تنتصر وها هي تتجه إلى الاستقرار، فكيف لا يستطيع لبنان القيام بذلك، وهو يملك عناصر هائلة من القوة استطاعت أن تهزم أقوى جيش في المنطقة، وتجبره على سحب جنوده بلا قيد أو شرط، وتحبس جنوده في الدشم والتحصينات، وبات يحسب ألف حساب قبل القيام بأي خطوة عدوانية على لبنان؟ إنها المقاومة التي يجهد الأمريكي للقضاء عليها لتعرية لبنان وجعله مكشوفاً مالياً وأمنياً وعسكرياً واقتصادياً، فلماذا لا يعمد اللبنانيون إلى الاستفادة من عوامل هذه القوة لتحصين بلدهم والنهوض به في المجالات كافة، ولتذهب العقوبات الأمريكية إلى الجحيم؟

هذه هي الحكومة السيادية التي يطالب السيد نصر الله بتشكيلها. حكومة تأخذ المصالح الوطنية اللبنانية بعين الاعتبار، وتملك شجاعة أن تقف أمام الأمريكي وتمنعه من الاستمرار في فرض فساده الخارجي والداخلي، سواء عبر الضغط والحصار والتهويل بـ "فزّاعة حزب الله"، أو عبر استخدام أدواته في الداخل لتخريب السلم الأهلي وضرب الاستقرار، وحين نصل إلى هذه الحكومة فإن لبنان لن يكون مجرد بيدق يلعب به الأمريكي والإسرائيلي، بل سيكون واحداً من مكوّنات القرار الذي يعني المنطقة كلها، وحينها يمكن رؤية هذا البلد الصغير بجغرافيته في إطار الخارطة الاستراتيجية التي تكمل فعلياً رسم الإطار العربي المقاوم، وبالتالي فإن اللبنانيين - كما قال السيد نصر الله - مدعوون للوعي ولقرار كبير لا يضعهم على الهامش في الحسابات الكبيرة، بل ليكونوا في قلب المعادلة، واتخاذ القرار الجريء بالمواجهة، انطلاقاً من محاربة الفساد الداخلي وامتلاك عناصر الاقتدار والاستقلال السياسي والاقتصادي، والاستفادة من اليد التي لديهم، واسمها المقاومة.

 

لبنانالسيد حسن نصراللهأحداث تشرين أول 2019

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية
مقالات مرتبطة